متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٦ - ومن سورة البقرة
فتخصيصه الفاسق به ونفيه عن غيره ، يدل على أن المراد به العقاب الذى يختص به دون ما سواه. وقال تعالى : ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ) [١] وقال : ( بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ) [٢] وقال : ( إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ ) [٣] وكل ذلك يراد به العقاب.
ووصف تعالى ما يجرى مجرى إبطال العمل الذى يؤدى إلى النجاة بذلك ، فقال : ( وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ ) [٤] وقال : ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) [٥] وقال : ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ) [٦].
وقد أضاف ذلك إلى نفسه بمعنى الضلال عن زيادة الهدى ؛ لأنه إذا سلبهم ذلك للمصلحة ، أو على سبيل العقوبة ، جاز أن يقول : ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ ) [٧] يعنى : عن الزيادات المؤدية إلى شرح الصدر ، ( يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ) [٧] ولا يكون ذلك منعا من الإيمان ، بل يكون بعثا عليه! لأن من ضاق صدره بالشيء وتحير فيه طلب الخلاص منه ، نحو ما نعلمه من حال الشاك المتحير فى أمر الدين والدنيا ، وهذا هو المراد بقوله تعالى ، حكاية عن موسى : ( فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ) [٨] لأنه أراد بذلك : من الذاهبين عن العلم بحاله وأنه معصية ؛ لأن الأنبياء عليهمالسلام لا يجوز أن يضلوا عن الحقيقة ، وهو المراد بقوله : ( أَنْ
[١] سورة القمر : ٤٧. [٢] سورة سبأ : ٨. [٣] سورة الملك : ٩ ، وفى الأصل : إن كنتم. [٤] سورة محمد : ٤ ـ ٥. [٥] سورة الكهف : ١٠٤. [٦] سورة محمد : ١. [٧] سورة الأنعام : ١٢٥. [٨] سورة الشعراء : ٢٠.