متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٠٦ - ومن سورة البقرة
وإنما بعث عز وجل المكلّف بهذا الخطاب على أن يقصد بالعبادة طاعته والخضوع له والتقرب إليه ، ولا تعتبر الأماكن فى هذا الباب. ونبه به على أن القبلة لا مدخل لها فى صحة الصلاة ، وأنه متى اجتهد فصلى إلى أى جهة كان ، فهو مؤد لما كلف [١] ، مستحق للثواب عليه.
٥١ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أن كلامه قديم فقال : ( بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [١١٧] فلو كان محدثا لكان من جملة الأمر الذى قضاه وكان يجب أن يقول له : كن [٢] ، حتى يؤدى ذلك إلا ما لا نهاية له ، وبطلان ذلك يوجب أنه قديم. وإذا صح فى بعض كلامه ذلك ، صح مثله فى سائره [٣].
والجواب عن ذلك : أن ظاهر قوله : ( وَإِذا قَضى أَمْراً ) لا يدل على الخلق ؛ لأن القضاء إذا علق بالشيء قد يتصرّف على وجوه ، فمن أين التعلق بالظاهر؟.
وبعد ، فإن حقيقة « الأمر ) هو قول القائل لغيره : افعل ، وإنما يستعمل فى سائر الأفعال توسعا ، فإن تعلقوا بالظاهر فإنه يدل على أنه محدث القول الذى
[١] د : كلف به. [٢] د : كن فيكون. [٣] أول ما استدل به الأشعرى فى كتابه (اللمع ) على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، قوله تعالى فى سورة النمل ـ الآية ٤٠ ـ : ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ). وقد عرض القاضى رحمهالله لاستدلاهم بمثل هذه الآيات فى الجزء الخاص بخلق القرآن من كتابه (المغنى ) فى ضمن أدلة متعددة لهم ، أوردها فى باب شبههم فى هذا الموضوع ، وجاء استدلالهم بهذه الآيات فى الشبهة الخامسة ، وقد توسع هناك فى نقاشهم ونقض استدلالهم. انظر اللمع بتصحيح الدكتور حمود غرابة / مصر ١٩٥٥ ، ص ٣٣ فما بعدها. المغنى فى أبواب التوحيد والعدل : ٧ / ١٦٥ ـ ١٧٥.