نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٤ - فضيحة أصحاب الجمل
كلّنا نعلم أنّ القرآن الكريم أوصى أزواج النبي صلى الله عليه و آله بأن يقرن في بيوتهن وأن لا يتبرجن تبرج الجاهلية فيتصفحن هذا وذاك: «وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى» [١] وكأنّ بعض الأحداث كموقعة الجمل كانت منظورة من قبل، إلّا أنّ هؤلاء المتحللين أبقوا على نسائهم في بيوتهن وأخرجوا زوج النبي صلى الله عليه و آله خلاف نص القرآن ليجعلوها وسيلة لتحقيق مآربهم.
ثم قال عليه السلام في جنايتهم الثانية:
«فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ، وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ، طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ»
. ولا يقتصر الالتزام بالبيعة على الإسلام، بل كان يلتزم بها حتى قبل الإسلام، بينما نقض أصحاب الجمل هذه السنّة ونكثوا عهدهم علانية واستعدوا لمواجهة الإمام عليه السلام. وأشار إلى جريرتهم الأخرى فقال عند ما دخلوا البصرة:
«فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا، فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً [٢]، وَطَائِفَةً غَدْراً»
. ذكر ابن أبي الحديد في شرح لجنايات أهل الجمل أنّ طلحة والزبير وأعوانهما تدرعوا وقدموا المسجد عند صلاة الصبح وكان فيه عامل علي عليه السلام عثمان بن حنيف. فتقدم للصلاة فدفعه أصحاب طلحة والزبير وقدموا الزبير. فتقدم
(السبابجة)
(حماة بيت المال) [٣] ودفعوا الزبير خارج المسجد، فهجم عليهم أنصار الزبير وقدموه واستمر النزاع حتى طلوع الشمس.
فصاح الناس: اتقوا اللَّه يا أصحاب محمد صلى الله عليه و آله فالشمس تكاد تطلع، فغلبهم الزبير وصلى بالناس. ثم أمر بالقبض على ابن حنيف فضربوه حتى كاد يموت، كما قبضوا على السبابجة وهم سبعون، حملوا عثمان بن حنيف إلى عائشة، فأمرت بقتله. فقال عثمان: إن قتلتموني سيقتص منكم أخي (والي المدينة) فخافوا وتركوه. وأمرت
[١]. سورة الأحزاب، الآية ٣٣
[٢]. «صبر» تعني في الأصل الحبس، ومن هنا يطلق الصبر على مسك النفس وحبسها عن المكارة. المعنى الآخرللصبر أنّ يحبس الإنسان أو الحيوان في موضع، ثم يرمى بحجر أو سهم، بالتالي يقال، قتل صبراً لمن يقتل بالزجر والتعذيب
[٣]. «السبابجة» جمع (سبيجي) قال صاحب لسان العرب، من مادة (سبج) طائفة شجاعة من السند استؤجرواللقتال (الدفاع عن بيت المال). وقيل: كلمة فارسية تعني الشبان الصغار وألوانهم سوداء