نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٧ - الشرح والتفسير هل رأيت اللَّه؟
ذلك لأنّ آثاره ملأت أركان العالم وتجلّت فيه جميع الموجودات، والعبارة
«لَا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ»
إشارة إلى عظمته، لكن ليست كعظمة الطواغيت والجبابرة الممزوجة بالظلم والجور والجفاء، كما قال القرآن الكريم في أواخر سورة الحشر:
«الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ».
وقال في الصفة الثامنة والتاسعة:
«بَصِيرٌ لَايُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لَايُوصَفُ بِالرِّقَّةِ»
. فإن قلنا: فلان بصير، تبادر إلى الذهن بسرعة العين التي يبصر بها، وحين يقال: فلان رحيم تتداعى شفقة قلبه ورقته، والحال، هذه الصفات الممكنات والموجودات الجسمانية واللَّه أسمى من ذلك. فبصره سبحانه بمضى علمه بالموجودات كافة التي ترى بالعين ورحيميته بمضى لطفه وعطائه لعباده، وإن مثل هذه الصفات مركبة من النقص والكمال، وللَّه كمالها ونزاهته من نقصها.
وقال في الصفتين الأخيرتين:
«تَعْنُو [١] الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ [٢] الْقُلُوبُ مِنْ
مَخَافَتِهِ»
. إشارة إلى أنّه رغم لطفه ورحمته، إلّاأنّ ذلك لا يعني جرأة العباد على الذات من خلال التشبث بتلك الصفات، بل لابدّ من خشية عقابه إلى جانب الأمل بلطفه ورحمته. ومن هنا قال القرآن بشأن المؤمنين: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» [٣]. ونعلم جميعاً بأنّ تعادل الخوف والرجاء من شأنه الأخذ بيد الإنسان إلى السمو والكمال.
[١]. «تعنو» من مادة (عنو) على وزن غلو، بمعنى، تذل وتخضع
[٢]. «تجب» من مادة (وجوب) تعني أحياناً، الثبوت، وأخرى السقوط والوقوع ولازمته الثبوت والاستقرار، وإن وردت بشأن القلب عنت الاضطراب
[٣]. سورة المؤمنون، الآية ٦٠