نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٦ - الشرح والتفسير هل رأيت اللَّه؟
قرب جسمين من بعضهما يقعان في مكانين حسيين، وعندما نقول: اللَّه بعيد يتداعى لنا جسمان بعيدان عن بعضهما وانفصالهما، والحال، بعدهما وقربهما ليس كذلك، فهو قريب من كل شيء، بمعنى إحاطته التامة بجميع الموجودات، وبعيد بمعنى تنزه كبريائه عن أدناس المكان وصفات المخلوقات الناقصة.
وقال في الصفة الثالثة والرابعة:
«مُتَكَلِّمٌ لَابِرَوِيَّةٍ [١]، مُرِيدٌ لَابِهِمَّةٍ [٢]»
. وإن طرح موضوع الكلام والإرادة يتبادر إلى أذهاننا إنّ الشخص يجيد لغة معينة ويفكر في مطلب ثم يصوغه في إطار كلمات وعبارات، ثم يستعين بلسانه وشفتيه ليوصل صوته المنطلق من حنجرته إلى الآخرين، وهكذا الأمر بالنسبة للإرادة في أن يفكر المريد مسبقاً ويتأمل صلاح الشيء من فساده ثم يعزم على القيام بالعمل وأمر الجوارح والأعضاء بالتنفيذ. قطعاً إنّ أيّاً من هذه الأمور لا تصدق على اللَّه، فهو ليس بجسم وليس له أعضاء وجوارح وليس بحاجة إلى التفكير. فكلامه ليس سوى خلق الموجات الصوتية في الفضاء كتلك الأمواج التي سمعها النبي موسى عليه السلام من الشجرة، وإرادته ليست سوى علمه بالمصالح والمفاسد. وهذه الحقيقة صادقة تماماً على الصفات السبع الأخرى. ومن هنا اعتبر الإمام عليه السلام أنّ أفضل طريق لمعرفة اللَّه، نفي صفات المخلوقات عنه، فقال:
«وَكَمالُ الْإِخْلاصِ نَفْيُ الصّفَاتِ عَنْهُ» [٣].
وقال في الصفة الخامسة:
«صَانِعٌ لَابِجَارِحَةٍ»
نعم، إنّ أمره إذا أراد شيئاً إنّما يقول له كن فيكون، وله أن يخلق عالماً واسعاً ومترامياً كعالمنا فيقول له كن فيكون ولا يحتاج إلى وسائل وأدوات وأجزاء كالإنسان.
وقال في الصفة السادسة والسابعة:
«لَطِيفٌ لَايُوصَفُ بِالْخَفَاءِ، كَبِيرٌ لَايُوصَفُ بِالْجَفَاءِ»
، لشرّاح نهج البلاغة وعلماء الكلام أحاديث مسهبة في باب صفات اللَّه ومنها صفة اللطيف، فذكروا لها عدّة معانٍ، فتارة فسّروه بالخفي، وأخرى بخالق الأشياء الظريفة وأخيراً ذو اللطف والحبّ، وللَّه كل هذه الصفات، إلّاأنّ المعنى الأول أنسب، أي أنّ الذات المقدّسة ظريفة الخفاء، لكن لا بمعنى الخفاء عن العباد،
[١]. «روية» من مادة (تروية) تعني، أحياناً، الشبع من الماء، كما وردت بمعنى التفكير
[٢]. «همة» من مادة (همّ) بمعنى العزم على الإتيان بشيء، كما تعني، الهم الذي يشغل فكر الإنسان، والنوع الأول هو المراد
[٣]. نهج البلاغة، الخطبة ١