نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٤ - الشرح والتفسير لماذا لاتبايع
أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً [١] تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ، فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ
عَنِ الْكَلَإِ [٢] وَالْمَاءِ، فَخَالَفُوا إِلى الْمَعَاطِشِ [٣] وَالْمَجَادِبِ [٤]، مَا كُنْتَ صَانِعاً؟ قَالَ: كُنْتُ
تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلى الْكَلَاءِ وَالْمَاءِ».
فما كان هنا من الإمام عليه السلام إلّاأنّ ابتدره:
«فَقَالَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ-: فَامْدُدْ إذاً يَدَكَ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: فَوَاللَّهِ مَااسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامَ الْحُجَّةِ عَلَيَّ، فَبَايَعْتُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ»
قال السيد الرضي:
«وَالرّجلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الجَرْمِيّ».
فقد أشار الإمام عليه السلام في جوابه المذكور إلى حقيقة مهمّة يحل الالتفات إليها الكثير من المشاكل. فكثيرون هم الأفراد الذين يفخرون بانصهارهم بالجماعة وتلونهم بلونها، فهم يفتقرون إلى الاستقلال الفكري بحيث لا يطيقون الانفصال عن الجماعة- وإن كانت ضالة- وهذا ما يؤدّي إلى انتقال الخرافات والمساوىء من جيل إلى آخر. فالإمام عليه السلام يفند هذا اللون من التفكير بمثال واضح حيث قال: لو كنت ضمن جماعة وبلغت موضعاً في الصحراء حيث الماء والغذاء، بينما انحرفت الجماعة إلى موضع مجدب خالٍ من الماء والغذاء، فهل تبقى معهم أم ترجع إلى عقلك؟ فتنفصل عنهم وتسلك سبيل العافية والسلامة، هل من عاقل يبقى في هذه الحالة مصرّاً على الجماعة؟! قطعاً لو كان الإنسان مستقلًا فكرياً فإنّه يسلك الطريق المستقيم أن تعرف عليه وإن سلكه لوحده. وهذا من قبيل ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة ٢٠١ حين قال
«أَيُّها النَّاسُ لاتَستَوحِشُوا فِي طَرِيقِ الهُدى لِقِلَّةِ أَهلِهِ»
. نعم، مبايعة إمام كعلي بن أبي طالب عليه السلام مجادب، جمع مجدب، المكان الذي لم ينزل إليه المطر فهو جاف لا نبات فيه. وقبول ولايته تمثل ماء الحياة في
[١]. «رائد» من مادة (رود) على وزن ذوب، بمعنى اللقاء، وتطلق عادة على من ينطلق أمام القافلة أو الجيشويستطلع المكان المناسب من حيث الماء والغذاء
[٢]. «كلاء» النبات الطويل
[٣]. «معاطش» جمع (معطش) الموضع الذي يعطش فيه الإنسان
[٤]. «مجادب» جمع (مجدب) المكان الذي لم ينزل إليه المطر فهو جاف لا نبات فيه