نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨ - الشرح والتفسير شمة من صفات اللَّه الجمالية والجلالية
عن السمع والبصر وما شابه ذلك إلى سمعنا وبصرنا الذي يتمّ من خلال بعض الوسائل من قبيل الاذن والعين، والحال سمعه وبصره سبحانه ليس بأداة، بل بحضور ذاته المطلقة في كل مكان وفي ظاهر جميع الأشياء وباطنها. العبارة
«لَا بِتَفْرِيقِ آلَةٍ»
يمكن أن تكون إشارة إلى نقطة وهي أنّ الإنسان إذا أراد رؤية صورة كاملة- بيت مثلًا- ينبغي له أن يركز بصره على مختلف جوانب ذلك البيت، ليرى أعلاه وأسفله وشرقه وغربه، وتنتقل عدّة صور إلى الدماغ ليقوم بترتيبها للظفر بصورة صحيحة تامة عن البيت. وبناءً على هذا فوظيفة العين الأولى، التقاط الصور المستقلة، والثانية، تحويلها إلى الدماغ ليركبها مع بعضها. وهكذا بشأن مشاهدة حركة معينة- كحركة إنسان مثلًا- والعملية أشبه بالتقاط الأفلام والتصوير، حيث تلتقط العين كل لحظة صورة لشكل ذلك الإنسان وهيئته، ثم تنقلها إلى الدماغ ليركب هذه الصور واظهار الحركة.
قال في بيانه للصفة العاشرة والحادية عشرة:
«وَالشَّاهِدِ لَابِمُماسَّةٍ، وَالْبَائِنِ لَا بِتَرَاخِي مَسَافَةٍ»
. إشارة إلى أنّ حضور اللَّه في كل مكان لا بمعنى الحضور المكاني من خلال الاتصال بالأشياء، بل حضوره بمعنى احاطته الوجودية بكل شيء، كما أنّ مباينته عن الأشياء ليس على نحو المسافة المكانية أو الزمانية، بل بمعنى أنّ ذاته في ذروة الكمال وما سواه في غاية النقص. لعل هنالك من يتصور تناقض هذه الصفات مع تلك التي ستأتي، فالبعد والقرب والعلو والدنو والظاهرية والباطنية من الصفات التي لا يسع تفكيرنا جمعها مع بعضها؛ والأمر كذلك بالنسبة لهذه الصفات أن استعملت بشأن المخلوقات المحدودة من حيث الزمان والمكان ومختلف الجهات، غير أنّ هذه الصفات المتضادة يمكن جمعها في الذات المقدّسة اللامتناهية، فرغم حضوره المطلق في كافة الأمكنة (بمعنى إحاطته العلمية بجميع الأشياء) لكن ليس له حضور مكاني في أي مكان، ذلك لأنّه ليس بجسم ليحتاج إلى مكان.