نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩ - الشرح والتفسير شمة من صفات اللَّه الجمالية والجلالية
ثم خاض الإمام عليه السلام في بيان الصفة الثانية والثالثة عشرة فقال:
«وَالظَّاهِرِ لَا بِرُؤْيَةٍ، وَالْبَاطِنِ لَابِلَطَافَةٍ»
أجل، فهو أظهر جميع الأشياء، فآثاره قد ملأت العالم بأسره فاصبح الوجود قبساً من صفات جلاله وجماله، وهو خفي لا على شاكلة الأشياء اللطيفة الغاية في الصغر كالهواء، بل بمعنى عجز العقول عن إدراك كنه ذاته.
والصفة الرابعة عشرة:
«بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْقَهْرِ لَهَا، وَالْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَبَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ»
أي إن قيل إنّ اللَّه بائن عن كل شيء، فذلك لا يعني أنّه بعيد عنّا، بل هو قريب منّا بمقتضى الأدلة الفلسفية القطيعة وصريح الآية القرآنية: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» [١]، والمعنى أنّ قدرته قهرت كل شيء، فأين نحن من اللَّه، وأين الثرى من الثريا؟ كما أنّ بينونة الأشياء عنه تعني خضوع كل شيء لإرادته.
وقال في الصفة الخامسة عشرة التي تنزه الذات عن الوصف:
«مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ عَدَّهُ فَقَدْ أَبْطَلَ أَزَلَهُ، وَمَنْ قَالَ: «كَيْفَ» فَقَدِ اسْتَوْصَفَهُ، وَمَنْ قَالَ: «أَيْنَ» فَقَدْ حَيَّزَهُ [٢]».
وتوضيح هذا الكلام: إننا كمخلوقات نعيش في عالم الممكنات إنّما نقارن كل شيء بالنسبة لنا، ونصف اللَّه في أغلب الأحيان بأوصافنا الناقصة والمحدودة فنضفي عليه بعض صفات الممكنات وهذا هو وادي التشبيه الخطير الذي حذرتنا الآيات والروايات من السقوط فيه. ومن هنا قال الإمام عليه السلام من وصف اللَّه بهذه الصفات فقد حده ومن حد اللَّه فإنّه سيتصور له شبيها لا محال وعليه سيجعله في قالب الأعداد فإن فعل ذلك أنكر عليه أزليته وأبديته، ذلك لأنّ هاتين الصفتين تترشحان من ذاته الغنية عن الحدود، كما أنّ من يسأل عن كيفية ذاته فقد نعته بصفات المخلوقات، ومن سأل عن مكانه أو زمانه فقد افترضه جسماً يقع ضمن
[١]. سورة ق، الآية ١٦
[٢]. «حيزه» من مادة (حيز) بمعنى المكان