نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٢ - الشرح والتفسير حادثة مهمّة
الإنسان لا يقتصر على اليالي المظلمة، بل يشمل اليالي المقمرة والنهار الواضح، بالتالي ليس هنالك من مكان خارج عن علم اللَّه كالذي ورد في ما بعد:
«عِلْمُهُ بِما فِي السَّماواتِ العُلى كَعِلْمِهِ بِما فِي الأرضِينَ السُّفلَى».
ثم قال مواصلًا كلامه:
«وَتَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ»
. هذه العبارة كتلك التي وردت في العبارات القادمة:
«عِلْمُهُ بِالأمواتِ الماضِينَ كَعِلْمِهِ بِالأَحياءِ الباقِينَ»
وكل هذه العبارات تشير إلى سعة علم اللَّه الذي لا يحدّه الزمان والمكان. وهنا يرد هذا السؤال: لماذا استند إلى إقبال الليل والنهار مع أنّ لكل من الليل والنهار إقبال وإدبار؟ لعل هذه العبارة تأكيد لما مرّ في العبارات السابقة بشأن نفوذ علم اللَّه إلى أعماق الظلمات وليس فقط وضح النهار. وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أن تركيز الإمام على إقبال الليل وإدبار النهار ربّما إشارة إلى أنّ أمور الدنيا غالباً ما تجري على خلاف رغبة الإنسان [١].
ثم قال عليه السلام:
«قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةٍ، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ»
. الواقع أنّ العبار
(لا يخفى عليه من عباده ...)
التي تحدّث فيها عن علم اللَّه بالزمان والمكان وكل إنسان وشيء تشمل هذا المعنى أيضاً أنّه عليم بنهاية عمر كل إنسان وكل موجود قبل أن ينتهي عمره كما يعلم عدد الموجودات قبل أن تعد وتحصى [٢].
ثم قال في نتيجة كلية:
«تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ، وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ، وَتَأَثُّلِ [٣] الْمَسَاكِنِ، وَتَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ»
. نعم؛ فكل طائفة ضالة
[١]. شرح نهج البلاغة للعلّامة التستري، ج ١، ص ٢٧٣
[٢]. إعتبر أغلب شرّاح نهج البلاغة أنّ هذه العبارة مستقلة تشير إلى عدم حدود الذات المقدّسة، إلّاأنّ هذا التفسير لا يبدو صحيحاً، لأنّه لو كان كذلك لقال (بعد كل غاية ومدّة) أي أنّ ذاته موجودة بعد كل نهاية كما هي موجودة قبل كل بداية. أمّا من فسّرها كما أوردنا فهو العالم المعروف محمد عبدة في شرحه لنهج البلاغة حيث ربط هذه العبارة بعبارة (لا يخفى) وهذا ما عليه ظاهر عبارة العلّامة الجعفري
[٣]. «تاثل» بمعنى عمران المسكن، ومن مادة اثل على وزن أمل، شجرة معروفة