نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢١ - الشرح والتفسير حادثة مهمّة
بعيد عن كل شيء ليس بمعنى المسافة والانفصال عن الأشياء، بل بمعنى سمو ورفعة وجوده وصفاته بالنسبة لسائر الأشياء. وهذا يشبه ما ورد في الخطبة الأُولى من نهج البلاغة:
«مَعَ كُلِّ شَيءٍ لْابِمُقارِنَةٍ وَغَيْرُ كُلِّ شَيءٍ لْابِمُزايَلَةٍ»
. لا شك أنّه يستحيل جمع هذه الصفات في الممكنات؛ ذلك أنّ الشيء إن بعد فلا يسعه الاقتراب، وإن اقترب فلا يمكنه الإبتعاد، ولكن ليس هنالك من معنى لتضاد القرب والبعد وأمثال ذلك في ذات واجب الوجود المطلق.
ثم تطرق عليه السلام إلى موضوع علم اللَّه تعالى بكل شيء وفي كل زمان ومكان من خلال عبارات رائعة عميقة المعنى فقال:
«وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ [١]
لَحْظَةٍ، وَلَا كُرُورُ لَفْظَةٍ، وَلَا ازْدِلَافُ [٢] رَبْوَةٍ [٣]، وَلَا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ [٤]، وَلَا
غَسَقٍ [٥] سَاجٍ [٦]»
. فالإمام عليه السلام بغية تشخيص عدم خروج أخفى الأشياء عن علم اللَّه يفترض مسافراً مرّ في ليلة ظلماء بصحراء وقد صوب بصره إلى الصحراء وينبس ببعض الكلمات، يقترب من التلال والمرتفعات ويتسلقها بسرعة ليبلغ غايته وهو يشق طريقه في تلك الظلمة المعتمة، فاللَّه تعالى الذي لا يخفى عليه شيء من حركات عيون وشفاه وأقدام هذا المسافر لهو أعلم بأعمال عباده وهم يأتون بها في وضح النهار وفي المدن والبلدان.
ثم قال في وصف هذه اليلة الظلماء:
«يَتَفَيَّأُ [٧] عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ
ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَالْكُرُورِ [٨]»
. إشارة إلى أنّ علم اللَّه بالموجودات وأعمال
[١]. «شخوص» بمعنى التركيز في النظر على الشيء
[٢]. «ازدلاف» بمعنى الاقتراب والصعود من نقطة مرتفعة، ويقال (المزدلفة) للمشعر الحرام لاقتراب الناسهناك من منى أو اقترابهم من اللَّه بهذه العبادة
[٣]. «ربوة» الموضع المرتفع
[٤]. «داج» من مادة (دجو) على وزن علو، المظلم، وليل داج، اليلة المظلمة الخالية من القمر
[٥]. «غسق» شدة الظلمة، وتطلق هذه المفردة على منتصف الليل لشدّة ظلمته
[٦]. «ساج» الساكن، والمراد من الغسق الساج، الظلام الطويل والمستمر
[٧]. «يتفيأ» من مادة (فيئ) على وزن غيب، العودة، وتفيأ بمعنى، الإنتقال والذهاب والإياب
[٨]. «كرور» له معنى مصدري، الرجوع