نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٩ - الشرح والتفسير حادثة مهمّة
قال القرآن الكريم: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ» [١].
ثم قال عليه السلام:
«خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ، وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ»
. ومن المسلَّم به أنّ خالق جميع الأشياء والمخلوقات والنعم والذي يستمد الوجود بأسره، الوجود منه فهو أهلٌ للعبادة والسجود والحمد وليس لأحد غيره هذا المقام. وبالطبع فإنّ ذلك السجود والحمد يختص بالعارفين باللَّه لا الكفّار والمشركين الذين لا يستحقون الذكر.
ثم واصل كلامه بالإشارة إلى بعض الصفات السلبية المنزهة من كل نقص فقال:
«حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا»
. إشارة إلى أنّ جميع المخلوقات محدودة وذاته المقدّسة فقط لا تعرف الحدود، ومن هنا ليست هنالك من صعوبة في تمييز الخالق من المخلوق والإبتعاد عن السقوط في مستنقع الشرك. وهنا يرد هذا السؤال: أفيمكن أن يخلق اللَّه شيئاً غير محدود أو بعبارة أخرى، واجب الوجود؟ أنّ ذات كل مخلوق تقتضي كونه محدوداً، ومن هنا كيف يقال إنّ اللَّه خلق الأشياء المحدودة حتى لا تشبه ذاته؟
والجواب عن هذا السؤال: إنّ المراد من
«حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا ...»
تمييزه عن المخلوقات؛ بعبارة أخرى، فإنّ
«إِبَانَةً لَهُ»
ليست مفعولًا لأجله، بل نتيجته وغاية الفعل. والمسألة الأخرى الجديرة بالإلتفات أنّ أغلب نسخ نهج البلاغة نقلت العبارة
«ابانة لها»
وفي هذه الحالة لا يرد أي غموض وإبهام؛ حيث مفهوم العبارة أنّ اللَّه حدّ الأشياء عند خلقها أي جعل لكل موجود حدود معينة تميزه من الأخرى، من قبيل ما ورد في الآية ١٣ من سورة الحجرات: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» [٢].
ثم أسهب عليه السلام في شرح مطلقية ذات اللَّه المقدّسة ليكشف عمق هذه الحقيقة
[١]. سورة الحديد، الآية ٣
[٢]. وردت هذه العبارة ضمن خطبة أخرى وبصيغة أخرى في أصول الكافي والتي تدعم التفسير الأول وهي «حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَ، وإِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا» (أصول الكافي، ج ١، ص ١٣٥)