نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧ - عبيد الدنيا
القسم الثاني
منها: يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ! مَا بَالُهُ لَايَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاءٍ- إِلَّا رَجَاءَ اللَّهِ تَعَالَى- فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَكُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ، إِلَّا خَوْفَ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ يَرْجُو اللَّهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لَايُعْطِي الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لَاتَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لَايُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً وَوَعْداً. وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا.
الشرح والتفسير
عبيد الدنيا
بعد أن أشار الإمام عليه السلام إلى عظمة اللَّه وحمده وأثنى عليه وتطرق إلى علامات ذاته المقدّسة في عالم الوجود، خاض في وعظ الغافلين وإرشادهم وركز على مسألة من أهم المسائل وهي الخوف حيث كشف حقيقته وشرح تفاصيله وفضح الكاذبين في دعواهم إيّاه فقال:
«يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللَّهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ! [١]»
. ثم خاض في ذكر الدليل فقال:
«مَا بَالُهُ لَايَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ
[١]. التعبير بالعظيم بدل واللَّه العظيم، لأنّه حذف الموصوف والتركيز على الصفة يكشف عن مدى التاكيد، يعنيأنّ هذه الصفة للعظمة لذاته تعالى إلى درجة من الثبات وكأنّها اسم من أسمائه