الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ١٢٥ - السادس في اصطلاح «ثقة في الحديث» و
النفس[١] بأخبارهم. و الظاهر أنّ المنشأ أنّ الكذب قبيح في أنظار الناس و موجب لانتهاك العرض، و هم- و لا سيّما أرباب الاحتشام منهم- يتجنّبون غاية التجنّب عمّا يوجب النقص في دنياهم؛ و لذا يتجنّبون عن الكذب، بخلاف الغيبة، فإنّه لا قبح فيها عندهم؛ لكونها من باب الصدق، و لذا ربّما يعتذر المغتاب عن ارتكابها بارتكاب الصدق، بل كثير من الناس يرتكب بعض المعاصي و يترك بعضا آخر من المعاصي؛ بل من يرتكب جميع المعاصي نادر أو منعدم؛ فلا منافاة بين الفسق و الوثوق بالحديث، بل لا منافاة بين ارتكاب معصية و لو مع الإصرار و ترك معصية اخرى بالكلّيّة.
و من تأمّل في أحوال الناس يجد أنّ كثيرا منهم صاحب ملكة الاجتناب عن بعض المعاصي مع ارتكاب بعض آخر و لو كان متعدّدا و حتّى مع الإصرار؛ بل ربّما يستبعد الكذب من بعض من يأتي بالفسق الفظيع كالزنا و اللواط من أرباب الاحتشام و تطمئنّ النفس بخبره، بل من يأتي بالفسق الفظيع من غير أرباب الاحتشام يحصل الظنّ بخبره و تطمئنّ النفس به.
و أمّا الثاني: فلأنّ غاية الأمر في دعوى الظهور أن يقال: إنّ الغالب فيمن يتحرّز عن الكذب العدالة، فيحمل المشكوك فيه على الغالب.
و هو مدفوع بأنّه لو لم يكن الغالب فيمن يتحرّز عن الكذب الفسق فلا أقلّ من المساواة، و مع هذا يترجّح جانب المخبر به بإخباره، بل الغالب- بحيث يكون خلافه في كمال الندرة- أنّ الإخبار يخرج طرف المخبر به عن حدّ التساوي مع الطرف الآخر كما كان الإخبار يوجب رجحانا فيه، بل الإخبار و لو ممّن يأتي بالفسق الفظيع من غير أرباب الاحتشام يوجب الرسوخ في النفس، و يتعسّر زوال أثره، كما يشاهد فيما لو أخبر عن شخص بمذاكرة سوء بالاضافة إلى شخص
[١] . في« ح»:« الناس».