الرسائل الرجالية - الكلباسي، أبو المعالي - الصفحة ٢٢٧ - خاتمة
و العاكفين، و ولّ وجهك شطر كعبة المقصود، واجب الوجود و خالق الموجود، و توجّه إلى وليّ الخير و الجود، و اتّق اللّه حقّ تقاته، فإنّه لا يناله إلّا التقوى، و لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ[١]، و لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ[٢].
و كن كثير الذكر للّه سبحانه، و قد بالغ سبحانه في تعظيم ذكره حتّى جعل التسمية في ذبح الهدي من ثمرات الحجّ؛ فإنّ مقتضاه كلام العظم في ذكر اللّه سبحانه و لا تخدعنّك هذه الدار بزبرج غدّار، فإنّ ما عند اللّه خير للأبرار، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَ لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ[٣] فما متاع الحياة الدنيا إلّا الغرور و ما صفقتها إلّا خاسرة عند أرباب الشعور، و إنّما الآخرة هي التجارة التي لن تبور، و ليس قصر الطرف على دار العبور إلّا من قصار القصور، و الركون إليها من الجنون، بل الجنون فنون، و الركون إليها من أسوء فنون الجنون.
و لن تتيسّر لك القوّة القدسيّة إلّا بكمال التقوى. كيف، و هذه المرتبة مرتبة النيابة، و لا تتيسّر لأرباب الشقاوة. فانظر أنّ النيابة تلو الربوبيّة بتوسّط النبوّة و الإمامة، فصاحب هذه المرتبة لابدّ له من الكمالات النفسانيّة ما يوجب اللياقة للدرجة الثالثة من الدرجات المتعقّبة للربوبيّة.
و أنصف هل يكون السبع الجامع لجميع النقائص حريّا لمرتبة تلو الإمامة بلا واسطة، و تلو الربوبيّة بواسطتين؟ كلّا و حاشا. و لو أمكن جريان المعجزة على يد الكاذب لأمكن حصول تلك القوّة لغير القابل.
و ربّما تحمّل شدّة المحنة في طول المدّة من لم يتّفق له كمال التقوى، فلم يتحصّل له تلك القوّة، بخلاف بعض من لم يكن له استعداد تلك القوّة، لكن
[١] . الحج( ٢٢): ٣٧.
[٢] . البقرة( ٢): ١٧٧.
[٣] . فاطر( ٣٥): ٥.