الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ٤٩٣ - باب البدع والرأي والمقاييس
الْمَرافِقِ»[١]، ويجيء بيانه في عاشر الثالث والعشرين، فالظرف مستقرّ حال عن فاعل «تجلس» أو لغو متعلّق ب «تجلس» وعدّي ب «إلى» لتضمين الضمّ أو التوجّه؛ أي تجلس ضامّاً نفسك أو متوجّهاً إليه. والمراد أنّك إن كنت تجلس معه أي كثيراً، لسمعت ذلك البتّة منه.
(فَقُلْتُ: لَا، وَلكِنْ هذَا كَلَامُهُ) أي أعلم أنّه كان يقول ذلك بدون جلوس كثير إليه.
(فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، أَتى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله النَّاسَ بِمَا يَكْتَفُونَ بِهِ فِي عَهْدِهِ؟) أي بما يتناول كلّ واحد من أفعالهم تناول المسائل الفقهيّة للأفعال الشخصيّة، وذلك بأن يأتي بما يعلم به الحكم الواقعي لكلّ فعل من أفعالهم.
وفيه إشارة إلى أنّه إذا لم يأت بالجميع كان الباقي موكولًا إلى اجتهاد الامّة، وكان عليّ والصحابة مضطرّين إلى الاجتهاد والحكم بالرأي وتجويز الاختلاف فيه، فلم يكن اعتراض على أبي حنيفة؛ لأنّه ليس الفتوى في الباقي قولًا على اللَّه، فلا يندرج في الآيات الناهية عن القول على اللَّه بغير علم، وليس فيه احتمال كونه حكماً بخلاف ما أنزل اللَّه، فلا يندرج في الوعيد في نحو قوله: «وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ»[٢]* في الآيات الثلاث في سورة المائدة.
(فقَالَ: نَعَمْ، وَمَا يَحْتَاجُونَ) أي وبما يحتاجون، وهو عطف تلقين.
(إِلَيْهِ إِلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي أتى بما ذكرت، وبما يزيد عليه بوجهين:
الأوّل: ما قد يحتاجون إليه في عهده، وذلك إمّا فيما تعذّر علمهم بالحكم الواقعي فيه، فقد أتى بالمسائل الاصوليّة التي يعلم بها الحكم الواصلي لكلّ فعل من أفعالهم حينئذٍ، ولم يَكِلهُم فيه إلى عقولهم، وإمّا في التفاوت في الدِّين بين أصناف نوع واحد من الحكم، ككون بعض المستحبّات أحسن في الدِّين من بعض، وبعض الواجبات أوجب في الدِّين من بعض، وبعض المحظورات أقبح في الدِّين من بعض وهكذا، فقد أتى بجميع الترغيبات والترهيبات، ولم يدع لأحد فيها كلاماً.
الثاني: ما يعلم به الحكم الواقعي والحكم الواصلي والتفاوت لكلّ فعل من أفعال مَن بعدهم إلى يوم القيامة، وهذا مستنبط من قوله تعالى في سورة النحل: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ
[١]. المائدة( ٥): ٦.
[٢]. المائدة( ٥): ٤٤، ٤٥ و ٤٧.