الشّافي في شرح أصول الكافي - القزويني، المولي خليل - الصفحة ١٨٤ - باب العقل والجهل
(أَكْمَلَ لِلنَّاسِ) أي عليهم، كقوله: «وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها»[١] والمراد بالناس المكلّفون.
(الْحُجَجَ) أي الأدلّة على ربوبيّته.
(بِالْعُقُولِ) أي بعقول العقلاء، فإنّها حجّة على غير العقلاء؛ إذ من المعلوم عند الناس وجوب التأدّب بالآداب الحسنة في تحصيل العلم والعمل على كلّ أحد بقدر وسعه.
والمقصود أنّ تتبّع الاحتمالات البعيدة- التي يأبى عنها العقل؛ لكونها ناشئة عن الهوى- لا يضرّ الدليل وكماله، ولا إتمام الحجّة على الناس.
ولا يخفى على المتأمّل- الطالب للحقّ المجتنب للهوى بأدنى تأمّل في اختلاف فتاوى المخالفين وقضاياهم واستدلال كلّ منهم على ما اجتهد فيه وفي أنّ مراد الشارع بالعلم العلم الذي لا يجري معه اختلافٌ- فسادُ حيلهم[٢] هذه.
ولوضوح هذا ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة في خطبةٍ في ذمّ اختلاف العلماء في الفتيا، أنّه قال: «أفأمرهم اللَّه بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه؟[٣]» أي معلوم قطعاً أنّه تعالى نهاهم عنه في آيات كثيرة من محكمات القرآن، وهم يتسارعون إليه كأنّه أمرهم به.
وروى الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن أُبيّ بن كعب رحمه اللَّه أنّه خطب بمحضرٍ من أبي بكر وجمع كثير، وقال في خطبته: غلبتم وزعمتم أنّ الاختلاف رحمة، هيهات أبى الكتاب ذلك عليكم[٤].
وأمثال ذلك كثيرة، ولولا علم الناس بوجوب العقل، لم تكمل حجّة على أحد؛ لأنّ جميع المطالب الدينيّة ممّا تتطرّق إليه المعارضات الوهميّة، والتسويلات الشيطانيّة، فإنّه لو كان شيء منها مثلَ قولنا: الواحد نصف الاثنين، أو قولنا: زوايا المثلّث مساوية
[١]. الإسراء( ١٧): ٧.
[٢]. قوله:« فساد حيلهم» فاعل لقوله:« ولا يخفى».
[٣]. نهج البلاغة، ص ٦٠، الخطبة ١٨. الاحتجاج، ج ١، ص ٣٨٩؛ شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٢٨٨.
[٤]. في الاحتجاج، ج ١، ص ١٥٦:« وتخارستم وزعمتم أنّ الخلاف رحمة، هيهات أبى الكتاب ذلك عليكم».