حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٦٠٢ - ٤٥/ ٤ وصايا النبي لأبي ذر
وَبَصَّرَهُ بِعيوبِ نَفسِهِ.
يا أَبا ذَرٍّ: ما زَهِدَ عَبدٌ في الدُّنيا إِلَا أَنبَتَ اللّهُ الحِكمَةَ في قَلبِهِ، وأَنطَقَ بِها لِسانَهُ، وَبَصَّرَهُ بِعُيوبِ الدُّنيا وَدائِها وَدَوائِها، وَأَخرجَهُ مِنها سالِما إِلى دارِ السَّلامِ.
يا أَبا ذَرٍّ: إِذا رَأَيتَ أَخاكَ قَد زَهِدَ في الدُّنيا فَاستَمِع مِنهُ فَإِنَّه يُلقى الحِكمَةَ فَقلُتُ: يا رَسولَ اللّهِ: مَن أَزهدُ النّاسِ؟
فَقالَ: مَن لَم يَنسَ المَقابِرَ وَالبِلى، وَتَرَكَ فَضلَ زينَةِ الدُّنيا، وَآثَرَ ما يَبقى عَلى ما يَفنى، وَلَم يَعُدَّ غَدا مِن أَيّامِهِ، وَعَدَّ نَفسَهُ في المَوتى.
يا أَبا ذَرٍّ: إِنَّ اللّهَ تَبارَكَ وَتَعالى لَم يُوحِ إِليَّ أَن أَجمَعَ المالَ، وَلَكِن أَوحى إِليَّ أَن" فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَ اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ"[١].
يا أَبا ذَرٍّ: إِنِّي أَلبَسُ الغَليظَ، وأَجلِسُ عَلى الأَرضِ، وأَلعَقُ أَصابِعي، وَأَركَبُ الحِمارَ بِغَيرِ سَرجٍ، وأَردَفُ خَلفي، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتي فَلَيسَ مِنِّي.
يا أَبا ذَرٍّ: حُبُّ المالِ والشَّرَفِ أَذهَبُ لِدينِ الرَّجُلِ مِن ذِئبَينِ ضاريَينِ في زِربِ الغَنَمِ فأَغارا فيها حَتّى أَصبَحا، فَماذا أَبقَيا مِنها.
قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللّهِ الخائِفونَ الخاضِعونَ المُتَواضِعونَ الذَّاكِرونَ اللّهَ كَثيرا، أَهُم يَسبِقونَ النَّاسَ إِلى الجَنَّةِ؟
فَقالَ: لا، وَلَكِن فُقراءُ المُسلِمينَ، فَإِنَّهم يأتونَ يَتَخطَّونَ رِقابَ النَّاسِ، فَيَقولُ لَهُم خَزَنَةُ الجَنَّةِ: كَما أَنتُم حَتَّى تُحاسِبوا، فَيَقولونَ: بِمَ نُحاسَبُ؟ فَواللّهِ ما مَلِكنا فَنَجورَ وَنَعدِلَ، وَلا أُفيضَ عَلَينا فَنَقبِضَ وَنَبسُطَ، وَلَكِن عَبَدنا رَبَّنا حَتَّى دَعانا فأَجَبنا.
[١] الحجر: ٩٨ ٩٩.