دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠٠ - الغلو والتقصير تعريف آخر
والدين لا يسد عقل الإنسان عن تحكيم ورصد المجهر العقلي من أوّل الطريق إلى آخره، فلا يمكن مصادرة العقل ولا الثوابت ولا الموازين، بل لا بدَّ أن تظل محكمة في كل صغيرة وكبيرة، من هنا نفهم لماذا نادى الرسول الأعظم (ص) عندما رآه البعض واقفاً مع امرأة في أحد الشوارع فنادى الناظر هذه صفية زوج النبي (ص) [١] فإنّه (ص) يعطي درساً للناس بأن المراقبة في المعرفة لا بدَّ أن تبقى مستمرة حتّى على الأنبياء.
وكذلك من هذا البيان نفهم لم كان طغاة بني أميّة وبني العبّاس يختبرون الأئمّة (عليهم السلام) بالأسئلة العلمية والمناظرات، لأنهم كانوا يريدون التأكد من إمامتهم فضلًا عن أهدافهم الأخرى، فإنّهم لما كانوا الأفضل والأعلم بمقتضى الإمامة، فلا بدَّ أن تكون الأفضلية والأعلمية متحققة باستمرار وليس في أوّل الطريق فقط.
ثمّ تأتي في المرتبة الرابعة صلاحيات الفقهاء وهم الذين لهم نيابة عامة، أي ليس لهم ارتباط واتصال بأهل البيت إلّا عبر الكتاب والسُنّة والمصادر الدينية فلم ينب أحدٌ منهم بالخصوص وإنما صارت له النيابة وفق شرائط وموازين بيّنها الله والنبي والأئمّة، وهكذا في نفس المرتبة أي الرابعة حجية النواب بالنيابة الخاصة وهم السفراء، فإنّ الفقهاء والسفراء في مرتبة واحدة إذ تقدم أنه لا منافاة بين حجية كل منهما ولا
[١] روى الحافظ الأصفهاني في تاريخ أصفهان ٢١١: ٢ بسنده إلى علي بن الحسين (ع) عن صفية قالت: اعتكف رسول الله، فجئت لُاحدّثه، فخرج رسول الله ليقلّبني (ليودعني)، فلمّا بصر كان في بعض الطريق بصر برجلين من الأنصار، فدعاهما فقال: «أتدريان من هذه؟»، قالا: لا يا رسول الله، قال: «هذه صفية زوج النبي، وإني خشيت أن يوقع في أنفسكما شيئاً»، قالا: أوَعليك يا رسول الله؟! فقال رسول الله: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق وإني خشيت أن يوقع في أنفسكما شيئاً».