دعوى السفارة في الغيبة الكبرى - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠٢ - القواعد الرقابية وحفظ ثقافة أهل البيت (عليهم السلام)
الشيعة لم يفتأوا دوماً من المراقبة، فعامة الناس من الشيعة يراقبون الفقهاء والنواب، ثمّ الفقهاء والنواب والعامة يراقبون الأئمّة (عليهم السلام)، وهكذا ... [١].
[١] حدّث أبو الأديان قال: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علته التي توفي فيها (ع)، فكتب معي كتباً وقال: «امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر و تسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل».
قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي علي فهو القائم بعدي، فقلت: زدني، فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثمّ منعتني هيبته أن أسأله عمّا في الهميان.
وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما ذكر لي (ع)، فإذا أنا بالواعية في داره، وإذا به على المغتسل، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزونه ويهنونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزيت وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثمّ خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصل عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة.
فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي (ع) على نعشه مكفناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن علي وقال: «تأخر يا عمّ فأنا أحق بالصلاة على أبي»، فتأخر جعفر، وقد أربد وجهه وأصفر.
فتقدم الصبي وصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه ثمّ قال: «يا بصري هات جوابات الكتب التي معك»، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينتان بقي الهميان، ثمّ خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي من الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه.
فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته فقالوا: فمن (نعزي)؟ فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلموا عليه وعزّوه وهنوه وقالوا: إن معنا كتباً ومالًا، فتقول ممن الكتب؟ وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منّا أن نعلم الغيب، قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان (وفلان) وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية، فدفعوا إليه الكتب والمال وقالوا: الذي وجه بك لأخذ ذلك هو الإمام، فدخل جعفر بن علي على المعتمد وكشف له ذلك، فوجه المعتمد بخدمه فقبضوا على صقيل الجارية فطالبوها بالصبي فأنكرته وإدعت حبلًا بها لتغطي حال الصبي فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأة، وخروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية، فخرجت عن أيديهم، والحمد لله رب العالمين. (كمال الدين: ٤٧٥ و ٤٧٦).
وعن هشام بن سالم قال: كنّا بالمدينة بعد وفات أبي عبد الله (ع) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر أنه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك أنهم رووا عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: «إن الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة»، فدخلنا عليه نسأله عمّا كنّا نسأل عنه أباه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟ فقال: في مائتين خمسة، فقلنا: ففي مائة؟ فقال: درهمان ونصف فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا، قال: فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما أدري ما تقول المرجئة، قال: فخرجنا من عنده ضلالًا لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين نتوجه ولا من نقصد؟ ونقول: إلى المرجئة؟ إلى القدرية؟ إلى الزيدية؟ إلى المعتزلة؟ إلى الخوارج؟ فنحن كذلك إذ رأيت رجلًا شيخاً لا أعرفه، يومي إليَّ بيده فخفت أن يكون عيناً من عيون أبي جعفر المنصور وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (ع) عليه، فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم فقلت للأحول: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني لا يريدك، فتنح عنّي لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحى غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك أني ظننت أني لا أقدر على التخلص منه فما زلت أتبعه وقد عزمت على الموت حتّى ورد بي على باب أبي الحسن (ع) ثمّ خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: أدخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (ع) فقال لي ابتداء منه: «لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إلي إليَّ» فقلت: جُعلت فداك مضى أبوك؟ قال: «نعم». قلت: مضى موتاً؟ قال: «نعم»، قلت: فمن لنا من بعده؟ فقال: «إن شاء الله أن يهديك هداك»، قلت: جُعلت فداك إن عبد الله يزعم أنه من بعد أبيه.
قال: «يريد عبد الله أن لا يعبد الله»، قال: قلت: جُعلت فداك فمن لنا من بعده؟ قال: «إن شاء الله أن يهديك هداك»، قال: قلت: جُعلت فداك فأنت هو؟ قال: «لا، ما أقول ذلك»، قال: فقلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثمّ قلت له: جُعلت فداك عليك إمام؟ قال: «لا»، فداخلني شيء لا يعلم إلّا الله إعظاماً له وهيبة أكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، ثمّ قلت له: جُعلت فداك أسألك عمّا كنت أسأل أباك؟ فقال: «سل تخبر ولا تذع، فإنّ أذعت فهو الذبح»، فسألته فإذا هو بحر لا ينزف، قلت: جُعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال فألقي إليهم وأدعوهم إليك؟ وقد أخذت علي الكتمان؟ قال: «من آنست منه رشداً فالق إليه وخذ عليه الكتمان فإن أذاعوا فهو الذبح» وأشار بيده إلى حلقه، قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول فقال لي: ما وراءك؟ قلت: الهدى فحدّثته بالقصة قال: ثمّ لقينا الفضيل وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وسألاه وقطعا عليه بالإمامة، ثمّ لقينا الناس أفواجاً فكل من دخل عليه قطع إلّا طائفة عمّار وأصحابه وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلّا قليل من الناس، فلما رأى ذلك قال: ما حال الناس؟ فأخبر أن هشاماً صد عنك الناس، قال هشام: فأقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني. (الكافي ٣٥١: ١ و ٣٥٢).