منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣١٢ - المعنى
الخبيث، الباء للتّعدية أى جعلكم هائمين كما تقول في استنفرت القوم إلى الحرب استنفرت لهم أى جعلتهم نافرين، و يحتمل أن تكون بمعنى من، أى طلب منكم أن تهيموا.
المعنى
اعلم أنّ الغرض بهذا الفصل التنفير عن الدّنيا و توبيخ من قصر نظره اليها، و ذيّله بالموعظة الحسنة و النصيحة.
فقوله: استعاره مرشحة (و إنّما الدّنيا منتهى بصر الأعمى) استعار لفظ الأعمى للجاهل و الجامع قصور الجاهل عن إدراك الحقّ كقصور عادم البصر عن إدراك المبصرات و مثله قوله سبحانه: و من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا، و رشّح الاستعارة بقوله (لا يبصر ممّا ورائها شيئا) لأنّ ذلك وصف المستعار له أعني الجاهل، و أمّا المستعار منه أعني عادم البصر فهو لا يبصر أصلا و هو تذييل و توضيح و تفسير لكون الدّنيا منتهى بصره، و المقصود أنّ الجاهل لكون همّته مصروفة معطوفة إلى الدّنيا مقصور نظره إليها غافل عما عداها غير ملتفت إلى أنّ ورائها الآخرة و هى أولى بأن تصرف إليه الهمم بما فيها مما تشتهيه الأنفس و تلذّ الأعين من مزيد العوائد و الفوائد و النّعم.
(و البصير ينفذها بصره) أى العارف العالم ينفذ بصره من الدّنيا (و يعلم أنّ الدّار ورائها) يعني يعرف أنّ الدّار الحقيقي أى دار القرار ورائها فيبلغ جهده في الوصول إليها جناس تام (فالبصير) النافذ البصر (منها شاخص) راحل لأنّه بعد ما عرف أنّ الدّار ورائها لا يقف دونها بل يجعلها بمنزله طريق سالك به إلى وطنه و مكانه (و الأعمى إليها شاخص) ناظر لأنّه بعد ما لم يعرف ورائها شيئا يزعم أنّ هذه هى الدّار، و أنّ له فيها القرار، فيقصر نظره إليها.
و لا يخفى ما في هذه القرينة مع سابقتها من الجناس التّام و المطابقة بين الأعمى و البصير، و مثلهما في المطابقة قوله (و البصير منها متزوّد و الأعمى لها متزوّد)