منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠١ - و أما الفصل الثاني(منها)
و حلّ بساحته الفناء و الفوت (فأزعجه) و أقلعه (عن وطنه) و سكنه (و أخذه عن مأمنه) و مسكنه، و أرهقته منيّته دون الأمل، و شذّ به عنه تخرّم الأجل (محمولا على أعواد المنايا) و النّعوش (يتعاطى به الرّجال الرّجال) و يتداولونه مجاز من باب تسمية الكلّ باسم جزئه (حملا له على المناكب و امساكا بالأنامل) أى بالأيدي تسمية للكلّ باسم جزئه.
ثمّ أكّد فساد الاغترار بتقرير آخر فقال (أما رأيتم الذين يأملون) أملا (بعيدا و يبنون) قصرا (مشيدا و يجمعون) مالا (كثيرا كيف أصبحت) أى صارت (بيوتهم قبورا و ما جمعوا بورا) أى فاسدا هالكا (و صارت أموالهم للوارثين و أزواجهم لقوم آخرين) بلى و هو مدرك بالعيان يشهد به التجربة و العيان (لا في حسنة يزيدون و لا من سيئة يستعتبون) أى لا يمكن لهم الزّيادة في الحسنات و لا طلب أن يعتب أى يرضى اللّه منهم في السّيئات، و على البناء للمجهول فالمعنى أنّه لا يطلب منهم الاعتاب و الاعتذار بعد الانتقال إلى دار القرار، و ذلك لأنّ استزاده الحسنات و استعتاب السّيئات إنّما هو في دار التّكليف و حالة الحياة و أمّا الآخرة فهو دار الجزاء، فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم و لا هم يستعتبون، فان يصبروا فالنّار مثوى لهم و إن يستعتبوا فما هم من المعتبين، و قد تقدّم توضيح ذلك في شرح الفصل الخامس من فصول الخطبة الثّانية و الثّمانين.
و لما نبّه على زوال الدّنيا و فنائها أردفه بما هو زاد الاخرى و ذخيرتها فقال (فمن أشعر التقوى قلبه) أى لازمه لزوم الشعار بالجسد (برز مهله) أى فاق على أقرانه في جريه إلى مكانه أى تقدّمهم في السّير و اكتساب الخير أو أنّه أبرز جريه و بان سبقه (و فاز عمله) أى نال إلى جزاء عمله و أدرك منتها أمله (فاهتبلوا هبلها) و اغتنموا فرصتها و عليكم بشأنها (و اعملوا للجنّة عملها) الّذي به تدركونها و تستحقّونها.
(فانّ الدّنيا لم تخلق لكم دار مقام) لتنافسوا فيها (و انّما خلقت لكم مجازا لتزوّدوا منها) صالح (الأعمال) و تتقوّوا للوصول بها (إلى دار القرار)