منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٦٦ - المعنى
الاباحة الواقعية، فمعناه أنّ كلّ شيء مرخّص فيه من قبل الشارع حتّى يرد فيه نهى، فالناس في سعة مما لم يعلم بورود نهى فيه.
ثمّ انّ اصالة الاباحة كما تجرى في الأعيان مثل التفاح و نحوه بقوله: خلق لكم ما في الأرض جميعا، فيباح الأفعال المتعلّقة بها كذلك تجرى في الأفعال كالغنا مثلا ان فرض عدم قيام دليل على حرمته لقوله: احلّ لكم الطيبات، فالأصل المذكور يجرى في القسمين المذكورين من دون تأمّل.
و ربّما يقال: باختصاص اصالة الاباحة بالأعيان و أنّ الأصل الدّال على حلّية الأفعال يسمّى باصالة الحلّ فهما أصلان ناظران إلى موردين و نحن نقول إنّ ذلك لا بأس به إذ لا مشاحة في الاصطلاح لكن لا يختصّ أحدهما بالحجّية دون الآخر ضرورة أنّ الأدلة وافية بحجّيتهما معا و ان كانا مختلفي المورد.
و على ذلك فيمكن أن لا يجعل العطف في كلامه ٧ تفسيريّا بأن يكون المراد بما امرتم به و ما نهيتم عنه الأعيان المباحة و المنهيّة، و بما حلّ و ما حرّم الأفعال المحلّلة و المحرّمة.
و كيف كان فلمّا أفصح عن كون المباح أوسع من المنهىّ و الحلال أكثر من الحرام أمر بترك المحرّمات و المنهيّات فقال (فذروا) أى اتركوا (ما قلّ لما كثر و ما ضاق لما اتّسع) يعني أنّه بعد ما كان الحرام قليلا و الحلال كثيرا فلا حرج عليكم في ترك الأوّل و أخذ الثاني، و لا عسر في ذلك و كذلك المباح و المحظور نعم لو كان الأمر بالعكس لكان التكليف أصعب، و لكنّه سبحانه منّ على عباده بما بين السّماء و الأرض، و جعل الملّة سمحة سهلة، و ما جعل في الدّين من حرج علما منه بضعف النفوس عن القيام بمراسم عبوديّته بمقتضى الجبلّة البشريّة، فسبحان اللَّه ما أعظم مننه و أسبغ نعمه و أوسع كرمه.
ثمّ نهى عن تقديم طلب الرّزق على الاشتغال بالعبادة و ترجيحه عليه فقال (قد تكفّل لكم بالرّزق و أمرتم بالعمل) أما الأمر بالعمل فواضح، و أمّا التكفّل بالرّزق فقد تقدّم الكلام فيه و في معنى الرّزق بما لا مزيد عليه في شرح الفصل الأوّل من فصول