منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٧ - المعنى
و لما كان كمال القوّة العملية لا يحصل إلّا بكمال القوّة النظرية أردفه بقوله (و من لا ينفعه حاضر لبّه فعازبه) أى بعيده (أعجز و غايبه أعوز) أى أعدم للمنفعة يعني أنّ من لا ينفعه لبّه الحاضر و عقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر و لا موجود عنده من العقل أولى و أحرى.
و قيل في تفسيره وجوه اخر: الاول من لا يعتبر بلبّه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت الثاني أنّ من لم يعمل بما فهم و حكم به عقله وقت امكان العمل فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته بل لا يورثه إلّا ندامة و حسرة الثالث أنّ من لم يكن له من نفسه رادع و زاجر فمن البعيدان نيز جر و يرتدع بعقل غيره و موعظة غيره كما قيل: و زاجر من النفس خير من عتاب العواذل.
و لما حثّ بالعمل أكّده بالتحذير من النار فقال (و اتّقوا نارا حرّها شديد و قعرها بعيد و حليتها حديد و شرابها صديد) لا يخفى ما في هذه الفقر من حسن الخطابة حيث ناط بكلّ لفظة ما يناسبها و يلايمها لو نيطت بغيرها لم تلائم، و الاضافة في القرينة الاولى على أصلها، و في الأخيرة لأدنى المناسبة، و في الوسطين تحتمل الأول و الثّاني، استعاره و استعارة الحلية للقيود و الاغلال [حليتها حديد] من باب التحكم، و القرينة الاخرى [و شرابها صديد] مأخوذة عن قوله سبحانه: يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، و هو القيح و الدّم، و قيل: هو القيح كأنه الماء في رقته و الدّم في شكله، و قيل: هو ما يسيل من جلود أهل النار و كيف كان فتوصيف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير و الترهيب منها كما أنّ في ذكر حلية أهل الجنّة و شرابهم في قوله تعالى:
وَ حُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً.
ترغيبا و تشويقا إليها ثمّ قال مجاز من باب تسمية الشيء باسم مسبّبه (ألا و إنّ اللّسان الصالح) اى الذكر الجميل تسمية للشيء باسم مسبّبه (يجعله اللَّه للمرء في الناس خير له من مال يورثه من لا يحمده) و قد مرّ نظير هذه العبارة في الفصل الثاني من فصلي الخطبة الثالثة و العشرين، و المراد أنّ تحصيل مكارم الأخلاق