منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٤ - المعنى
فقال لأصحابه: كم يساوى هذا؟ فقالوا: لعله لو كان حيّا يساو درهما، فقال النّبي ٦: و الذي نفسي بيده الدّنيا أهون على اللَّه من هذا الجدى على أهله.
و قوله (فخلط حلالها بحرامها و خيرها بشرّها و حياتها بموتها و حلوها بمرّها) يعني أنها من أجل حقارتها لم تكن خيرا محضا، بل كان كلّ ما يعدّ فيها خيرا مشوبا بشرّ يقابله، بخلاف الدّار الآخرة، فانها خير كلّها وصفو كلّها و لذلك (لم يصفّها اللَّه لأوليائه) بل جعلهم فيها مبتلى بأنواع الغمص و المحن، و أصناف المصائب و الحزن فمشربهم فيها رنق و مترعهم فيها روغ (و لم يضنّ بها على أعدائه) بل أعطاهم فيها غاية المأمول، و منتهى المسئول، فحازوا نفايس الأموال و فازوا نهاية الآمال، و ليس عدم التّصفية للأولياء و عدم الضنّة بها في حقّ الأعداء إلّا اكراما للأوّلين و إضلالا للآخرين.
قال أبو عبد اللَّه ٧: إنّ المؤمن ليكرم على اللَّه حتى لو سأله الجنّة بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا، و إنّ الكافر ليهون على اللَّه حتى لو سأله الدّنيا بما فيها أعطاه ذلك من غير أن ينتقص من ملكه شيئا، و إنّ اللَّه ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الغايب أهله بالطرف، و إنّه ليحميه الدّنيا كما يحمى الطّبيب المريض.
و في رواية اخرى عنه ٧ قال: ما كان من ولد آدم مؤمن إلّا فقيرا و لا كافر إلّا غنيّا، حتّى جاء إبراهيم فقال:
رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا.
فصيّر اللَّه في هؤلاء أموالا و حاجة، و في هؤلاء أموالا و حاجة.
و بالجملة فعدم تصفيتها للأولياء و جعلهم فيها مبتلى بأوصاف البلاء ليس إلّا ليصبروا أيّاما قليلة و يصيروا إلى راحة طويلة، و عدم قبضها من الأعداء لهوانها عليه سبحانه