منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٣٠٠ - و أما الفصل الثاني(منها)
المحصول بعد الطلب أعزّ من المنساق بلا تعب العاشر الاتيان بكلمة الحصر أعني ما و إلّا.
و اتبع ذلك كلّه بالوجه الحادى عشر فقال مجاز (توسع) (أسمع داعيه) و بالوجه الثاني عشر فقال (و أعجل حاديه) أى أسمع من دعاه إلى اللّه سبحانه أى المدعوّ له و أسرع من ساقه إلى مكانه و حثّه إلى السّير اليه و نسبة الاسماع و الاعجال إلى الموت من التوسّع و التوكيد بهذا كلّه لشدّة ما رآه من المخاطبين من الغفلة و نومة الجهالة و اشتغالهم عن ذكر الموت و ما يحلّ عليهم من الفناء و الفوت و عن أخذ الذّخيرة و الزّاد ليوم المعاد، فأنزلهم منزلة المنكرين إيقاظا لهم عن رقدة الغافلين، و أعلمهم أنّ الموت حقّ يقين ليس منه خلاص و لا مناص لا فرار و لا محار، و أنّه يدركهم و لو كانوا في بروج مشيّدة و إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة و لا يستقدمون.
(فلا يغرنّك سواد النّاس) و كثرتهم و اجتماعهم حولك (من نفسك) و من الاشتغال باصلاحها، و قال الشّارح البحراني: أى فلا يغرنّك من نفسك الأمارة بالسّوء وسوستها و استغفالها لك عن ملاحظة الموت برؤية سواد النّاس أى كثرتهم إذ كثيرا مّا يرى الانسان الميت محمولا فيتداركه من ذلك رقّة و روعة، ثمّ يعاوده الوسواس الخنّاس و يأمره باعتبار كثرة المشيّعين له من النّاس. و أن يجعل نفسه من الاحياء الكثيرين بملاحظة شبابه و صحته و يأمره باعتبار أسباب موت ذلك الميّت من القتل و سائر الأمراض، و باعتبار زوال تلك الأسباب في حقّ نفسه و بالجملة فيبعّد في اعتباره عند الموت بكلّ حيلة.
فنهى ٧ السّامعين عن الانخداع للنّفس بهذه الخديعة، و أسند الغرور إلى سواد النّاس لأنّه مادّته، و نبّه على فساد تلك الخديعة و الاغترار بقوله (فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال و حذر الاقلال) أى خاف من الافتقار و مسائة الحال (و أمن العواقب) و اطمئنّ بالأقارب (طول أمل و استبعاد أجل كيف نزل به الموت)