منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٢٥٥ - المقصد الثالث في علة وصف البيت بالحرام و الاشارة إلى بعض أسمائه
فهو منهم، و الذي يقدر على مثل ذلك الطواف يقال: إنّ الكعبة تزوره و تطوف به انتهى.
أقول: هذا الطواف الحقيقي مختصّ بأولياء اللّه سلام اللّه عليهم، و في عالم المعنى الكعبة طائفة بهم و كاسبة من فيوضاتهم، و إلى هذا المعنى أشار الفرزدق في قصيدته الميميّة التي قالها في مدح عليّ بن الحسين ٨ على رغم هشام بن عبد الملك ابن مروان عليهم اللعنة و النيران، بقوله:
|
هذا الذي يعرف البطحاء وطأته |
و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم |
|
|
يكاد يمسكه عرفان راحته |
ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم |
|
|
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه |
لخرّ يلثم منه ما وطى القدم |
|
ثمّ لما كان طباع الخلق مايلة إلى حبّ الأرباح و طلب المنافع في المكاسب شوّقهم بقوله ٧: الاستعارة التخييلية و الترشيحية (يحرزون الأرباح في متجر عبادته) تنبيها على أنّ قيامهم بالعبادة في هذه المواقف الشّريفة تجارة للآخرة و لا محالة مشتملة على الرّبح و المنفعة، فلا ينبغي للعاقل أن يفوتها على نفسه.
قال أبو جعفر الباقر ٧ في مرويّ الفقيه: الحجّ و العمرة سوقان من أسواق الآخرة اللّازم لهما من أضياف اللّه إن أبقاه ابقاه و لا ذنب له و إن اماته ادخله الجنّة، و لا يخفى ما في هذه العبارة من حسن الاستعارة، حيث شبّه الحجاج بالتّجار و شبّه عبادتهم ببضاعة التّجارة، و ذكر المتجر استعارة تخييلية، و ذكر الأرباح ترشيح، و المراد بالأرباح هو الثواب الجميل و الأجر الجزيل المبذول للحجاج و المعتمرين و الوفاد و الطائفين.
قال الصّادق ٧ إنّ للّه تعالى حول الكعبة عشرين و مأئة رحمة منها ستون للطائفين و أربعون للمصلين و عشرون للنّاظرين.
و قال ٧ أيضا من نظر إلى الكعبة و عرف من حقّنا و حرمتنا مثل الذي عرف من حقّها و حرمتها غفر اللّه له ذنوبه كلها و كفاه همّ الدّنيا و الآخرة.