منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٩٤ - الاول في الاشارة إلى فائدة إنزال القرآن و نعته بلسان الرمز و الاشارة
جملة من القابه و أسمائه.
فاقول: اعلم هداك اللّه إلى الصّراط المستقيم، و ثبّتك على المنهج القويم، أنّ القرآن لما كان اصله مكتوبا:
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ بلا صحائف و لا أوراق، لكونه قبل وجود الأنفس و الآفاق، و كنا في ابتداء وجودنا ضعفاء العقول، ضعفاء الأبصار و لم يكن تصل قوة أنظارنا إلى أطراف هذه الأرقام، و أكناف هذه الكلمات العظام، لتعاظم حروفها، و تعالى كلماتها، و تباعد أطرافها و حافاتها، لا جرم تضرعنا إليه سبحانه بلسان احتياجنا و استعدادنا، و قلنا: إلهنا ارحم على قصورنا، و لا تؤيسنا عن روحك و رحماتك، و اهدنا سبيلا إلى مطالعة كلماتك، و وصولا إلى رضوانك و جنّاتك، فتلطف سبحانه بنا بمقتضى عنايته الشّاملة، و حكمته الكاملة و رحمته الواسعة، و قدرته البالغة، فاعطى لنا نسخة مختصرة من أسرار كتبه الجامعة، و أنموذجا وجيزا من معاني كلماته التّامة و هو القرآن الكريم و الصّراط المستقيم، و التّنزيل من العزيز الرّحيم، نزّله على النّبي الأمين، لانجاء العباد من سلاسل تعلّقات النّفس، و وساوس الشّيطان اللّعين، فلو كشف نقاب العزّة عن وجهه، و رفع جلباب العظمة و الكبرياء عن سرّه، لشفى كلّ عليل، و روى كلّ غليل، و داوى كلّ مريض القلب بعلل الأخلاق الذميمة، و أسقام الجهالات المهلكة، و أنجى المقيدين بسلاسل التعلّقات، و المزيّنين بحبّ الأهل و الأولاد و الشّهوات، و هو مع عظمة قدره و علوّ منزلته و سموّ مكانه، قد تلبّس بلباس الحروف و الأصوات، و اكتسى بكسوة الألفاظ و العبارات، رحمة منه سبحانه على العباد، و شفقة على خلقه و تقريبا إلى أفهامهم و مداراة معهم، و منازلة إلى اذواقهم، و إلّا فما للتّراب و ربّ الأرباب، ففي كلّ حرف منه ألف رمز و إشارة، و فيكلّ لفظ ألف سرّ و كناية.
و لذلك قال رسول اللّه ٦ فيما رواه في الكافي باسناده إلى الصّادق ٧ عن