منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٢٧ - الثالث فى تحقيق توبة الأنبياء على وجه لا ينافي العصمة
الرّابع أنّهم لما كانوا فى مقام التّرقى فى الكمالات و الصّعود على مدارج الترقيات فى كلّ آن من الآنات فى معرفة الرّب تعالى و ما يتبعها من السعادات فاذا نظروا إلى معرفتهم السّابقة و عملهم معها، اعترفوا بالتّقصير و تابوا منه، و يمكن أن ينزل عليه قول النبي ٦: و إنى لأستغفر اللّه فى كلّ يوم سبعين مرّة.
الخامس أنّهم : لما كانوا فى غاية المعرفة لمعبودهم فكلما أتوابه من الأعمال بغاية جهدهم ثم نظروا إلى قصورها عن أن يليق بجناب ربهم، عدوا طاعاتهم من المعاصى، و استغفروا منها كما يستغفر المذنب العاصى.
و من ذاق من كأس المحبّة جرعة شائقة لا يأبى عن قبول تلك الوجوه الرائقة و العارف المحب الكامل إذا نظر إلى غير محبوبه أو توجه إلى غير مطلوبه، يرى نفسه من أعظم الخاطئين، رزقنا اللّه الوصول إلى درجات المحبين.
أقول: هذا ما ذكره علماؤنا البارعون في التفصّي عن الاشكال المذكور، شكر اللّه سعيهم و أجزل مساعيهم رضوان اللّه عليهم، إلّا أنّ لي فى المقام وجها آخر و هو بحسب الظاهر قريب من بعض الوجوه السّابقة إلا أنّ نسبته إليها كنسبة الثّريا الى الثّرى كما هى غير خفيّة على صاحب الذوق السّليم و الطبع المستقيم و هو أنّك قد عرفت في التذييل الأوّل من تذييلات الفصل الثّامن من فصول هذه الخطبة، أنّ أوّل ما خلق اللّه سبحانه أنوار النبىّ و آله :، كما عرفت أنّه سبحانه خلق تلك الأنوار من قبل أن يخلق العالم بالوف من السّنين، و مرّ هناك فى حديث أبى الحسن البكري أنّه سبحانه خلقها قبل إيجاد العالم بأربعة و عشرين و أربعمائة ألف عام إذا تذكرت ذلك فنقول: إنّهم قد كانوا حينئذ أنوارا بسيطة و جواهر مجرّدة عن التّعلق بالأجسام و الجسمانيّات، خالصة عن الكدورات، فارغة عن القيودات و العلاقات، مستغرقة فى تلك المدّة المتطاولة فى شهود جمال الحقّ سبحانه و تعالى مشتغلة فى جميع هذه المدّة بالتّسبيح و التّقديس و التنزيه، تارة فى حجاب القدرة