منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٥ - المعنى
لاقتضاء المقام، و ذلك موقوف على رسم مقدمات.
الاولى انّ لنا خالقا صانعا قادرا على كلّ شيء.
الثانية أنّه سبحانه منزّه عن التجسّم و التعلّق بالموادّ و الأجسام و عن أن يكون مبصرا أو محسوسا باحدى الحواس.
الثّالثة أنّه تعالى حكيم عالم بوجوه الخير و المنفعة في النظام و سبيل المصلحة للخلايق في المعيشة و القوام و البقاء و الدّوام الرّابعة أنّ النّاس على كثرتهم محتاجون في معاشهم و معادهم إلى من يدبّر أمورهم و يعلمهم طريق المعيشة في الدّنيا و النّجاة من العذاب في العقبى، و ذلك لأنّ من المعلوم أنّ نوع الانسان مدني بالطبع، بمعنى أنّه لا بدّ في بقاء النوع إلى اجتماع كلّ واحد من الأفراد مع الآخر يستغني به فيما يحتاج إليه من المآكل و المشارب و الملابس و المساكن و نحوها، فيكون هذا يطحن لهذا، و ذلك يبني لذلك، و ذلك يخيط لآخر، و هكذا، فمن ذلك احتاجوا إلى بناء البلاد و اجتماع الآحاد، و اضطرّوا إلى عقد المعاملات.
و بالجملة لا بدّ في بقاء الانسان من الاجتماع و المعاونة، و التّعاون لا يتمّ إلّا بالمعاملة و لا بدّ في المعاملة من قانون عدل، إذ لو ترك النّاس و آراؤهم في ذلك لاختلفوا فيه، فيرى كلّ أحد منهم ماله عدلا ما عليه ظلما و جورا نظرا إلى أنّ كلّ أحد بالذّات و الطبع طالب لجلب المنفعة لنفسه و دفع المضرّة عن نفسه كما هو واضح، فعلم وجه الحاجة في المعاملات إلى القانون العدل.
و لا بدّ لذلك القانون من مقنّن و معدّل و لا يجوز أن يكون ذلك المعدّل ملكا، بل لا بدّ و أن يكون بشرا، ضرورة أنّ الملك لا يمكن رؤية اكثر النّاس له لأنّ قواهم لا يقوى على رؤية الملك على صورته الأصلية، و إنّما رآهم الأفراد من الانبياء بقوتهم القدسيّة، و لو فرض أن يتشكّل بحيث يراه جميع الخلق كان ملتبسا عليهم كالبشر كجبرئيل في صورة دحية، و لذلك قال سبحانه: