منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٤٤ - المعنى
وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ فانّه و كل بالفضل من أهل بيته و الأخوان و الذّرية، و هو قول اللّه تبارك و تعالى: إن يكفر به امّتك فقد وكلنا أهل بيتك بالايمان الذي أرسلتك به، فلا يكفرون به أبدا و لا اضيع الايمان الذي أرسلتك به من أهل بيتك من بعدك علماء امّتك و ولاة امرى بعدك و أهل استنباط العلم الذي ليس فيه كذب و لا إثم و لا زور و لا بطر و لا رياء، فهذا بيان ما ينتهى إليه أمر هذه الامة إنّ اللّه عزّ و جلّ طهر أهل بيت نبيه ٦ و سألهم أجر المودة و أجرى لهم الولاية و جعلهم أوصيائه و أحبائه ثانية بعده في امّته، فاعتبروا أيّها النّاس فيما قلت: حيث وضع اللّه عزّ و جل ولايته و طاعته و مودته و استنباط علمه و حججه، فايّاه فتقبلوا به، و به فاستمسكوا تنجوا به، و يكون لهم الحجّة يوم القيامة و طريق ربّكم جلّ و عز، لا يصل ولاية إلى اللّه عزّ و جلّ إلا بهم، فمن فعل ذلك كان حقا على اللّه أن يكرمه و لا يعذّبه، و من يأت اللّه عزّ و جلّ بغير ما أمره كان حقّا على اللّه عزّ و جلّ أن يذله و أن يعذّبه.
أقول: لا يخفى على الفطن العارف ما في هذه الرّواية الشريفة من النّكات الرّايقة و الأسرار الفايقة و المطالب المهمة و المسائل المعظمة، و بالغور فيها يمكن استخراج بعض ما تضمنته من كنوز الاسرار، و بالتّوسل بها يمكن الوصول إلى رموز المعارف و حقائق الأنوار، و إنّما ذلك في حقّ من امتحن قلبه بنور العرفان و الايمان، و صفى ذهنه من كدورات الشبهات و ظلمات الأوهام، و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و اللّه ذو الفضل العظيم و قوله ٧ (لما بدّل أكثر خلقه عهد اللّه اليهم) يعني إذ بدّل أكثر الخلق عهد اللّه و ميثاقه الماخوذ عليهم في باب التوحيد و المعرفة و النّبوة و الولاية حسبما اشير إليه في الاية الشريفة و الأخبار المتواترة قال سبحانه:
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ.
قال أكثر المفسّرين و أهل الأثر: إنّ اللّه أخرج ذريّة آدم من صلبه كهيئة الذّر[١] فعرضهم على آدم و قال: إنّي آخذ على ذريّتك ميثاقهم أن يعبدوني و لا يشركوا بي شيئا و علىّ أرزاقهم، ثمّ قال: أ لست بربّكم قالوا: بلى شهدنا أنّك ربّنا، فقال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا.
و قيل: إنّ اللّه جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه و يفهمونه، ثمّ ردّهم إلى صلب آدم و النّاس محبوسون بأجمعهم حتّى يخرج كلّ من أخرجه في ذلك الوقت و كلّ من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى، و من كفر و جحد فقد تغيّر على الفطرة الأولى.
و ردّ المحقّقون هذا التّفسير بوجوه[٢] كثيرة تنيف على عشرة.
و منهم المرتضى رضي اللّه عنه، و قد شدد النكير على ذلك في كتاب الغرر و الدّرر، قال بعد ذكر الآية: و قد ظن بعض من لا بصيرة له و لا فطنة عنده أنّ تأويل هذه الآية أن اللّه استخرج من ظهر آدم ٧ جميع ذريته و هم في خلق الذّر، فقرّرهم بمعرفته و أشهدهم على أنفسهم، و هذا التّأويل مع أنّ العقل يبطله و يحيله، ممّا يشهد ظاهر القرآن بخلافه، لأنّ اللّه قال:
وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ.
و لم يقل من آدم، و قال مِنْ ظُهُورِهِمْ و لم يقل من ظهره و قال: ذُرِّيَّتَهُمْ و لم يقل ذريّته، ثمّ أخبر تعالى بأنّه فعل ذلك لئلّا يقولوا يوم القيامة إنّهم كانوا
[١] الذر صغار النمل، مصباح.
[٢] بعضها راجع الى عدم مطابقة ذلك التفسير لظاهر الاية، و بعضها راجع الى استحالة اصل القضية كما ستعرفه فى كلام المرتضى رضى اللّه عنه و قد ذكر الفخر الرازى فى التفسير الكبير اثنى عشر وجها على ما ببالى، منه.