منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٩ - المعنى
يتركوهم هاملين (بغير طريق واضح) يوصل إلى مقام القرب و الزلفى (و لا علم قائم) بينهم ينجي بهم عن ورطة الهلاكة و الرّدى أقول: قد عرفت في الفصل السّادس عشر أنّ بعث الأنبياء و الحجج : إنّما هو لأن يدعوا الخلق إلى الحقّ بالحكمة و الموعظة الحسنة، و ليكونوا سببا لانتظام أمر معاشهم و معادهم، لمكان ما جاءوا به من القانون العدل و الشّرع السّواء، و لأجل ذلك مست الحاجة على أن يأتوا من عنده سبحانه بكتاب باق و علم قائم بعد انقراض قرن النبي المبعوث إلى زمن مجيء بعث النبيّ الاخر، ليكون تذكرة لهم، وكيلا يندرس آثار النبوّة من الأرض و لا تنقطع بفقدانهم، و لا يكون الخلق ينسون ما ذكروا به و غافلين و كالهمل من الحيوان يعملون ما يشتهون، أو كالهمج الرّعاع لكلّ ناعق يصغون، و لمّا كان شرع نبينا ٦ مستمرّا إلى يوم القيامة وجب له أن يخلّف لمن يليه ما يكون ذكرى و تذكرة في هذه المدّة المتطاولة و قد خلّف الثقل الأكبر مضافا إلى الثقل الاصغر و هو حبل ممدود من السماء إلى الارض ينجى به من المهالك و من فارقه فهالك و بيّن فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه النّاس كملا، و كما جعله اللّه سبحانه خاتما للأنبياء فقد جعل كتابه خاتما للكتب، فلا كتاب بعده أحلّ فيه حلالا و حرّم حراما، فحلاله حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة فيه شرعكم و خبر من قبلكم و خبر من بعدكم و هو (كتاب ربّكم) و جعله النبي ٦ علما باقيا و طريقا قائما بين امّته حالكونه (مبيّنا حلاله و حرامه) كما قال تعالى:
أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا و قد يجعل الحلال أعمّ من المباح و المكروه ليكون ذلك مع قوله ٧: (و فضائله و فرائضه) إشارة إلى الأحكام الخمسة التي عليها مدار الفقه، ليكون الفضائل إشارة إلى المندوبات، و الفرائض إشارة إلى الواجبات، و ذلك مثل قوله سبحانه:
فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِكُمْ