منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٦ - المعنى
وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ و لا بدّ أن يكون المعدّل له خصوصيّة ليست لساير النّاس حتّى يستشعر النّاس فيه أمرا لا يوجد لهم فيتميز به منهم، فيكون له المعجزات التي أخبرنا بها، و الحاجة إلى هذا الانسان في بقاء نوع البشر أشدّ من كثير من المنافع التي لا ضرورة فيها للبقاء، كانبات الشّعر على الحاجبين و تقعير الأخمص للقدمين و ما يجرى مجراهما من منافع الأعضاء التي بعضها للزّينة و بعضها للسّهولة في الأفعال و الحركات، و وجود هذا الانسان الصّالح لأن يشرع و يعدل ممكن، و تأييده بالمعجزات الموجبة لاذعان الخلق له أيضا ممكن، فلا يجوز أن تكون العناية الاولى تقتضي تلك المنافع و لا تقتضي هذه التي هي أصلها و عمدتها.
فاذا تمهدت هذه المقدّمات فثبت و تبين أنّه واجب أن يوجد نبيّ و أن يكون إنسانا و أن يكون له خصوصية ليست لساير النّاس، و هي الامور الخارقة للعادات، و يجب أن يسنّ للناس سننا باذن اللّه و أمره و وحيه و إنزال الملك اليه، و يكون الأصل الأول فيما يسنّه تعريفه إيّاهم أنّ لهم صانعا قادرا واحدا لا شريك له، و أنّ النبيّ عبده و رسوله، و أنّه عالم بالسّر و العلانية، و أنّه من حقّه أن يطاع أمره، و أنّه قد أعدّ للمطيعين الجنّة و للعاصين النّار حتّى يتلقى الجمهور أحكامه المنزلة على لسانه من اللّه و الملائكة بالسّمع و الطاعة.
و الى هذا البرهان أشار الصّادق ٧ فيما رواه في الكافي باسناده عن هشام بن الحكم عنه ٧ أنّه قال للزّنديق الذي سأله من أين اثبت الأنبياء و الرّسل؟ قال:
إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصّانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشرونه و يحاجوهم و يحاجونه، ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه و عباده، و يدلّونهم على مصالحهم و ما به بقاؤهم، و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و المعبّرون عنه جلّ و عزّهم الأنبياء و صفوته من