بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٣١ - (الآية الثالثة) قال تعالى
و ينتهيان معا و الله العالم.
(الآية الثالثة) قال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ (المؤمنون ٢)
بيان:
إضافته تعالى الصلاة الى المؤمنين لبيان اختصاصهم بها و قيامهم بحقها و اصطبارهم عليها حين غفل عنها المترفون و أعرض عنها المستكبرون- قوله تعالى خٰاشِعُونَ قد ذكروا في تفسيرها وجوها و أقوالا أعرضنا عن إيرادها للاختصار فالخشوع في الصلاة قلبا و قالبا و روحا و بدنا قد وردت في روايات كثيرة عن أئمة أهل البيت : و تكلم فيها فقهائهم (قدس الله أسرارهم) و الآية مطلقة شاملة بإطلاقها جميع الموارد التي يصدق عليها الخشوع فالخشوع يتصف به القلب و به الصوت و الصبر و النظر فان لكل من ذلك الذي ذكرنا خشوعا يناسبه قال في الصوت و البصر التذلل و السكون انتهى أما الخشوع في القلب قال تعالى أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّٰهِ (الحديد).
فأدنى الخشوع إحساس الحاجة و الافتقار الى الله و الشعور و الاستشعار بعظمته بحيث يجتمع فيه الرغبة و الريبة و الخوف و الطمع و السكينة و الاستكانة ففي زبدة البيان قال و روي ان النبي رأى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال اما انه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.
أقول و في هذا دلالة على إثبات الخشوع في الجوارح فلا وجه لترديد بعض المفسرين في إثبات الخشوع لها.
و أما الخشوع في الصوت قال تعالى وَ خَشَعَتِ الْأَصْوٰاتُ لِلرَّحْمٰنِ فَلٰا تَسْمَعُ إِلّٰا هَمْساً (طه- ١٠٧) فالخشوع فيه غضته في مقابل الإجهار به و الخشونة به كما تضمنه الآيات في أدب المكالمة مع رسول الله قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوٰاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّٰهِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّٰهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوىٰ (الحجرات).
و يتصف به البصر قال تعالى خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ* (القلم- ٤٣) المعارج ٤٤ (قال تعالى خُشَّعاً أَبْصٰارُهُمْ- القمر- ٧) فالخشوع في البصر غضه في مقابل رفعه روي في كنز العرفان مرسلا كان رسول الله يصلي رافعا نظره الى السماء فلما نزلت التزم ببصره الى موضع سجوده في الوسائل عن الكافي مسندا عن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال- الى ان قال- و اخشع ببصرك و لا ترفعه الى السماء و ليكن حذاء وجهك موضع سجودك.
و قد توهم بعض المفسرين ان المراد من الغض اطباق الأجفان قال و في ما ذكر من غض البصر مطلقا تأمل إذ المستحب النظر الى موضع السجدة حال القيام انتهى.
أقول قد عرفت ان النظر الى موضع السجود انما هو بغض البصر أي عدم رفعه فلا منافات نعم قد يتوهم المنافاة بين ما ذكرنا من الأدلة المطلقة و هي ما ذكر في