بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٩ - الآية الثانية في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية
و زعموا ان الصحابة و خاصة عمر بن الخطاب لم يفهموا من الآيات المنع و التحريم الى ان نزلت الآية في سورة المائدة و قالوا ان الخمر كان حلالا بمكة يشربونها الصحابة نم نزل التحريم و نسخت الإباحة تدريجا و كانوا يستثقلون امتثاله و طاعته فلذلك نسخت الحلية تدريجا بالتحريم التدريجي فالآية المبحوثة عنها دالة على جواز شربها و تحريمها في حال الصلاة فنسخت بالآيات الدالة على التحريم. و فيه: أولا ان حرمة الخمر فمن المستقلات العقلية و الآيات التي وردت في تحريمها انما وردت بلحن التذكر و بيان المفاسد لا بعنوان التعبد المولوي الشرعي فأول آية أعلنت بتحريمها قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمٰا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنٰافِعُ لِلنّٰاسِ الآية (بقرة ٢١٩) و الإثم في اللغة الجنابة و هو في عداد الفواحش و المنكرات و القول بغير علم و الشرك بالله قال تعالى قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللّٰهِ مٰا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطٰاناً الآية (الأعراف (٣٣) و كذلك قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الآية (مائدة ٩٠) فهي ناصة على انها في عداد الأزلام و الأنصاب و انها صد عن سبيل الله و عن ذكر الله- الى آخره- و في صريح روايات أئمة أهل البيت انه ما بعث الله نبيا الا بتحريم الخمر. و ثانيا: مع قطع النظر عما ذكرنا من التحريم الواقعي فلا معنى للنسخ أيضا فإن آية التحريم في سورة البقرة و آية الحلية في سورة النساء و هي متأخرة عن البقرة نزولا و من عجيب ما قيل في المقام حين نزل التحريم في سورة البقرة قال عمر: اللهم انزل علينا بيانا شافيا و لما قرأ عليه قوله تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ- الى آخره- قال اللهم انزل علينا في الخمر بيانا شافيا و لما نزلت الآية في سورة المائدة إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قال اللهم انتهينا. فانظر و اقض العجب كيف انزل الله القرآن باقتراح عمر و لو كان له فقه بآيات القرآن يفهم التحريم من الآية في سورة البقرة و لو كانت في الآيات إبهام و إجمال لوجب عليه الاستيضاح من رسول اللّه ٦ و هو ٦ مبين و ناطق عن الله و شارح لكلام الله فلا يصح له أن يقترح على الله في تشريع الأحكام و بيانها فتبين مما ذكرنا ان ما قيل في الآية المبحوثة انها منسوخة بآيات التحريم في نهاية الوهن و السقوط لما عرفت من التحريم الواقعي أولا و الآية في البقرة نزلت قبلها و عرفت انها لو سلم ان هذه الآية قبل آية البقرة فلا دلالة فيها على الإباحة فغاية الأمر انها لم تجهر و لم تعلن بتحريمها فكم فرق بين الحلية و الإباحة الشرعية من الله و بين عدم الإجهاد و عدم الإبلاغ بتحريمها فغاية ما يقال في تفسير الآية أنها بإطلاقها تدل على تحريم التلبس بالصلاة سكرانا و بطلان صلواته و سيجيء ما فيه أيضا