بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨١ - (الآية الثالثة)
السَّيِّئٰاتِ ثُمَّ تٰابُوا مِنْ بَعْدِهٰا وَ آمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهٰا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ و لن تجد موردا استعمل فيه الرحيم الا مقارنا بغفور و ودود و تواب على كثرتها إلا في مورد واحد و هذه الحقيقة القرآنية ليست امرا منكرا حتى يطرح أو يؤول هذا أولا و عرض الاخبار على القرآن كما هو مفاد عدة من الروايات في الاخبار العلاجية في المتعارضين و كذلك في غيرها أجنبي عن هذا الذي ذكره من تعيين المفاهيم الإفرادية و اللغوية فإن ذلك يرجع الى النزاع اللغوي في تعيين مفاد اللفظ و تشخيص معنى الأفرادي في الكلام دون المعنى التركيبي. فتوهم ان عرض الاخبار على الكتاب في تشخيص المعاني اللغوية و المعاني الإفرادية بحسب اللغة كما ترى هذا، ثانيا بل مورد عرض الاخبار على الكتاب فيما تكون المخالفة بينهما بالتباين الكلي في مفادهما هذا، ثالثا و مع قطع النظر عن جميع ما ذكرنا يكون مفاد الأخبار الدالة على ان معنى الرحيم بعباده المؤمنين خاصة أخص بالنسبة إلى القول بعموم متعلقة و مخالفة العام مع الخاص لا يعد مخالفة هذا، رابعا و اما الذين قالوا بالاشتراك المعنوي في أمثال المقام فمنهم من صحح أيضا ان الرحمن اسم للرحمة العامة و الرحيم اسم للرحمة الخاصة فتلخص ان الآية المبحوثة عنها من الموارد التي استعمل فيها الرحيم في الرحمة الخاصة و في مورد شمول رحمته تعالى عليهم.
(الآية الثالثة)
قال تعالى قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ وَ حَيْثُ مٰا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا يَعْمَلُونَ البقرة البقرة (١٤٤).
قوله تعالى قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا. الآية.
الظاهر ان تقلب وجهه في السماء كان التماسا و ابتهالا و طلبا من الله سبحانه ان يصرفه عن قبلة اليهود كي يستريح عن تعييرهم و إلقاء الوسوسة و التشكيك عنى العوام بان محمد ٦ أخذ بقبلتنا و تنسك بنسكنا و لولانا و قبلتنا ما يدري ان يصلي و ما رضي ٦ ان تفتتن أمته بعده بأهل الكتاب في مشاركة القبلة و قد أخبر تعالى أن رسوله و حبيبه يقلب وجهه الى السماء و يتضرع الى الله سبحانه في إنجاح مأموله و في هذا التعبير من الاستعطاف و الإكرام و التحبب و التودد ما لا يخفى.
قوله تعالى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا. التولية: كما ذكرنا سابقا إذا استعمل مع من نفيد صرف الوجه عن الشيء و الاعراض عنه و إذا استعملت بدونه تفيد معنى التوجه إلى الشيء و التمكن منه. فهذا وعد منه سبحانه ان يستجيب دعائه و يتحقق أمله و ان يكرمه بإعطائه ما يرضاه. فان قيل ان المستفاد من قوله تعالى تَرْضٰاهٰا:
ان الرسول ما كان راضيا بقبلة بيت المقدس التي جعلها له قبلة كارها لها و رضيا