بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦٥ - الآية الثانية عشرة في بيان معنى الكلمات في الآية و عد بعض الابتلاءات التي تعرض لها إبراهيم ع و ذكر بعض الوجوه المحتملة
بالتوحيد و التسليم المحض و إسلام الوجه بكليته لله سبحانه اقتداء و اتباعا لملة إبراهيم فإنه قد كان ٦ ممن أسلم وجهه لله سبحانه. قال تعالى وَ مَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرٰاهِيمَ إِلّٰا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَ لَقَدِ اصْطَفَيْنٰاهُ فِي الدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّٰالِحِينَ- إِذْ قٰالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ- البقرة.
فهذه الآية الكريمة في مقام الثناء على إبراهيم (ع) و التقدير و التشكر له و صريحة انه قد أسلم لله و انقطع الى جنابه جل ثناؤه و هذا الموقف الخطير من أجل مواقفه و لم يطأ هذا الموقف أحد إلا قليل من المقربين و قد دخل حريم القرب و جلس مجلس الانس و قد كان (ع) مراقبا و محافظا لأدب الحضور حيث كلمه ربه تعالى بقوله أَسْلِمْ قٰالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعٰالَمِينَ مراعيا لجلالة تعالى و كبريائه و لم يرسل نفسه و لم يقل أسلمت لك و نظائرها من الجواب.
فاتضح مما ذكرنا ان قوله تعالى وَ اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً عطف تفسيري لقوله تعالى أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّٰهِ و أجنبي عما توهمه المستدل من الاتباع في أمثال خصال العشرة.
و الظاهر من هذه الآية الكريمة و نظائرها في القرآن الكريم أن المراد بالملة ملة إبراهيم في هذه الآيات هو التوحيد الذي جاهد إبراهيم في بلاغة و تحكيمه مجاهدات كثيرة قال تعالى حكاية عن يوسف الصديق وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبٰائِي إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ مٰا كٰانَ لَنٰا أَنْ نُشْرِكَ بِاللّٰهِ مِنْ شَيْءٍ ذٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللّٰهِ عَلَيْنٰا وَ عَلَى النّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لٰا يَشْكُرُونَ يوسف ٢٨ و أما الآية الثانية هي قوله تعالى وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اجْتَبٰاكُمْ وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هٰذٰا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ الآية. الحج- ٧٨.
قال في المجمع: ج ٧ ص ٩٨ ملة أبيكم منصوب بإضمار فعل تقديره و اتبعوا و قرروا ملة أبيكم انتهى.
أقول فعلى هذا تكون هذه الآية أيضا كما في نظائرها مسوقة للتذكر الى التوحيد أي اتبعوا صراط التوحيد و منهاج الإسلام و هي أيضا أجنبية عما ذكروه ان المراد بالكلمات الخصال العشرة في الآية المبحوثة و ان المراد من وجوب اتباع الملة اتباع إبراهيم (ع) في الآيتان بالخصال المذكورة أو يعمها و يشملها.
فان قلت فأي مانع من القول بإطلاق الملة و شمولها للخصال العشرة.