بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٥١ - الآية التاسعة الاستدلال على منع المشركين من الدخول إلى المسجد الحرام و بيان معنى النجس و مفردات أخرى و بعض الأحكام
تعالى لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ. الآية (البينة ١) و لذا اعترف الأعاظم من الفقهاء بعدم صحة الاستدلال بهذه الآية على نجاسة أهل الكتاب.
قوله تعالى «نَجَسٌ» بفتح العين أقول المعروف عن فقهاء العامة و مفسريهم عدم القول بنجاسة المشركين أيضا و نسب المحقق الأردبيلي القول بالنجاسة إلى الفخر الرازي و استشكلوا في دلالة الآية على النجاسة و قالوا ان نجسا مصدر فلا يمكن حمله على الأعيان فلا بد من تأويله بتقدير مضاف اي ذو نجس يعني ان المشركين حيث انهم لم يجتنبوا من النجاسات و لم يغتسلوا من الجنابة فهم ذو قذارة و نجاسة و زاد البيضاوي ان ما كان الغالب فيه النجاسة تحكم بنجاسته قياسا على مورد هذه الآية.
فالمتحصل من كلماتهم ان المراد في الآية نجاستهم بالعرض لا بأعيانهم كما هو المدعي و أجيب عن هذا التأويل بأن كونهم ذا نجاسة غالبا لا يستلزم نجاستهم و لا دليل عليه فضلا عن قياس غير مورد الآية عليه بل مقتضى الإطلاق الحكم بنجاسة أعيانهم و الا فلا مسوغ لحمل نجس على الأعيان على الإطلاق بظهور الإطلاق في النجاسة الدائمة لا الغالبية.
و استشكل أيضا بأن نجاسة أعيان المشركين انما هي نجاسة جعلية تعبدية لا نجاسة تكوينية خارجية فعلية يتوقف صحة إطلاق لفظ نجس على ثبوت الحقيقة الشرعية في زمان نزول الآية و هذا أمر عجيب فأي تلازم بين صحة إطلاق نجس على المشركين و بين ثبوت الحقيقة الشرعية فإن استعمال هذا اللفظ في القذارات العرفية التكوينية و القذارات الجعلية التعبدية على نحو واحد و ملاك واحد غاية الأمر ان المصداق التعبدي صارت بمنزلة التكويني فتكثير المصداق لمفهوم اللفظ و استعمال اللفظ فيه ليس الا كاستعماله في التكويني و هو غير الحقيقة الشرعية فإن الحقيقة الشرعية اخلاء اللفظ عن معناه الأول و وصفه ثانيا في مقابل المعنى المستحدث الشرعي فالقول بتوقف استعمال لفظ نجس في النجاسة التعبدية على ثبوت الحقيقة الشرعية ساقط جدا.
و الحق في المقام عدم صحة هذا التأويل لعدم الدليل عليه و لا مسوغ لإخراج القرآن عن ظاهره و لا يجوز تأويله إلا بدليل قطعي و ما ذكروه من استحالة حمل المصدر على الأعيان فيندفع انه من باب زيد عدل و ان حمل نجس على المشركين من باب المبالغة و هو مجاز شائع لا بد من التزامه فلا يصل النوبة إلى تأويل الآية و إضمار المضاف فعليه تكون الآية ظاهرة في نجاسة المشركين بأعيانهم فإن قلت ان