بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٥٤ - (الآية الأولى) قال تعالى
مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (الجمعة- ٩) تخصيص الخطاب للمؤمنين قيل لأنهم المنتفعون به و اما عند من لم يل بصحة تكليف الكافر حال كفره فالأمر عنده أهون.
قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ- إلى آخره- الظاهر ان المراد هو الآذان و الإعلان بميقات الصلاة و إقامتها. قوله تعالى مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قيل ان من بيان لأداء الجمعة كان معروفا عند المخاطبين وقت النزول و ذكر بعض المفسرين وجه تسمية الجمعة جمعة و ذكروا مبدأ تسميتها و لا يخفى ان تفسير الآية لا يحتاج الى ذكرها.
قوله تعالى فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ قال في القاموس يسعى سعيا كرعي قصد و عمل و مشى و عدا و نم و كسب وسعا به باشر عمل الصدقات انتهى. أقول قد توهم بعض ان المراد من السعي هو العدو و تكلف في الجمع بين الآية و بين ما يدل على استحباب المشي على سكينة في البدن و وقار في النفس فلا يخفى عدم تعين السعي في العدو بل الظاهر هو القصد و المشي و لعل العناية في لفظة السعي هو الاهتمام و تحصيل الفراغ في الميقات المعهود و ذكر الله هو الصلاة و لا مانع من شموله لتعقيب الصلاة من التسبيح و التحميد و الخطبة. قوله تعالى وَ ذَرُوا الْبَيْعَ اي اتركوه بالمعنى الاسم المصدري أي ما حصل بالعقد و تبديل العوضين و السلطة الخارجية عليهما لا المعنى المصدري فالظاهر بطلان البيع في الأول دون الثاني فإن حرمة العقد و هو السبب للسلطة الخارجية على العوضين لا ينافي جواز السلطة الخارجية على العوضين في فرض وقوع العقد الحرام.
قوله تعالى ذٰلِكُمْ أي السعي إلى ذكر الله و ترك البيع.
إذا تقرر ذلك فنقول الآية الكريمة غير مسوقة في مقام بيان جعل الحكم و إنشاء الفرض بل في مقام الحث و التأكيد على اقامة ما كان مجعولا و مشروعا قبل النزول نعم الآية الكريمة كاشفة ان المندوب إلى إقامتها و طاعتها تشريع فرض سابق على وقت النزول و لا دلالة فيها ان المفروض صلاة خاصة بعينها و لم يتبين فيها حدود و شروط غير انها يوم الجمعة و الناس مشتغلون في أسواقهم و معاملاتهم فتنطبق على الظهر أيضا الا أن الأدلة المنفصلة قد قامت و دلت على ان المراد صلاة الجمعة و النداء يوم الجمعة إليها و التعبير عن الصلاة بالذكر لاشتمالها عليه و لبيان أهمية الصلاة و حكمتها و الذي يوضح ما ذكرنا ان الآية ليست في مقام التشريع ما ذكره المفسرون ان رسول الله ٦ ورد قباء حين عزم عن مكة مهاجرا إلى المدينة و اقام فيها أيام و لما انفصل منها أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم فنزل و خطب و جمع بهم في أول جمعة جمعها رسول الله ٦ في الإسلام و نزلت سورة الجمعة