بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٣٠ - (الآية الثالثة) قال تعالى
و تميزهم عن الناس بخصوصهم إذ كان جميع الناس و أهله مأمورين بالصلاة عامة بخلاف الأمر في المقام فلا يتجاوز سواهم و هي فضيلة و منقبة خاصة لهم و ليس سياق الآية سياق قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ- تحريم (٦٦) و لا سياق قوله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ- شعراء (٢١٤) كما ذكره الجصاص و غيره من المفسرين فان سياق الاولى التهديد و سياق الثانية الانذار في مرتبة التصريح و طليعة الدعوة الى الله و المعاد بل المراد أخذ أهله بالصلاة و اصطبار نفسه الشريفة عليها كي يكونوا متأدبين بآدابه و تأديبه و متمرنين بتمرينه ٦ إياهم و عنايته الخاصة بهم.
و ليس أيضا في مقام جعل الوجوب عليهم بالضرورة بل الآية في مقام الحث و الترغيب بإقامة الصلاة الواجبة عليهم بحسب الأدلة الأخرى و يؤيد ما ذكرناه من تميز الأهل عن الناس بالفضيلة و الكرامة صدر الآية و هو قوله تعالى وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ (طه ١٣٢) فالآية الكريمة في مقام تزهيده عن الدنيا و ما تلعب به أبنائها و عبدتها من زخارف الدنيا و زينتها و الأدبار إليها و الزهد فيها زهد الراحلين عنها و النظر إليها بعين المستوحشين منها و يأمره تعالى بالاصطبار على إقامة الصلاة و ان يأمر اهله بها.
فالمتحصل من الآية بعد التدبر فيها صدرا و ذيلا تسليته تعالى رسوله عن الدنيا و الزهد فيها و الإقبال إلى العبادة و الزهادة بنفسه الشريفة مع خاصته و بطانته فالآية الكريمة و ان كانت في بدو النظر عامة شاملة لجميع اهله و أزواجه الا ان العناية الخاصة و الكرامة المبذولة في حق الأهل المذكور تأبى عن شمولها الا لمن كان قرينه ٦ و تلوه و قريبا منه في الزهادة و العبادة و العبودية فيتزلزل الإطلاق المتوهم من الآية في بدو النظر كما لا يخفى بداهة ان الأخذ بالإطلاق خروج عن السياق و أعراض عن الغرض المسوق له الكلام.
في قلائد الدرر عن عوالي اللئالي عن الباقر (ع) انه قال أمر الله (أمره- في نسخة-) أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله منزلة ليست للناس فأمرهم مع الناس عامة ثم أمرهم خاصة و رواه في البرهان عن علي بن إبراهيم عن أبي الجارود و مع زيادة قال فلما انزل هذه الآية كان رسول الله يجيء كل صلاة الفجر يأتي باب علي (ع) يقول السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ثم يأخذ بعضادتي الباب و يقول الصلاة الصلاة يرحمكم الله إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ