بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٠٣ - (الآية السادسة) قال تعالى
الحرام.
قوله تعالى عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قيل ان مسجد مصدر بمعنى السجود أو المراد منه الصلاة سميت به تسمية للكل باسم جزئه و قيل المراد به مكان السجود و محله و هي المساجد أو مطلق وجه الأرض و قد تقدمت رواية الحلبي ان المراد هي المساجد المحدثة ففي تفسير العياشي عن زرارة و حمران و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (ع) في قوله تعالى وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال مساجد محدثة فالمراد ان يقيموا وجوههم شطر المسجد الحرام.
أقول لا بأس بالأخذ بعمومه مسجدا كان أو وجه الأرض و حمل الرواية على بيان أفضل الأفراد.
قوله تعالى وَ ادْعُوهُ عطف على قوله تعالى وَ أَقِيمُوا و هذا قرينة اخرى ان المراد من المسجد هو ما ذكر في الروايات و لو كان المراد هو السجود أو الصلاة لكان الأنسب بنظم الآية تأويله بالفعل و عطف و ادعوه اليه بخلاف ما لو قيل ان المراد منه المكان من دون احتياج إلى تأويل على أن في القول انه الصلاة ارتكاب مجاز بعناية علاقة الكل و الجزء.
قيل في قوله وَ ادْعُوهُ أي و اعبدوه و قيل انه الدعاء نفسه و لا تأويل و قوله تعالى مُخْلِصِينَ حال من فاعل أقيموا و ادعوا اي مصونا و محفوظا عن شائبة الرياء و استظهر بعض الأعاظم بهذا البيان استحباب الدعاء في المساجد و شرط الإخلاص و عدم الرياء فيه.
أقول لا ريب ان الدعاء من أجلي إفراد العبادة و كذلك الصلاة أيضا و لا وجه لحمل الدعاء على العبادة بعدم الدليل عليه نعم لا بأس بحمل الدعاء على الصلاة فإن من أهم اجزاء الصلاة الدعاء بعلاقة الجزئية و الكلية لو قام دليل على ذلك و اما القول بأن الآية تفيد اشتراط الإخلاص في الدعاء فممنوع جدا و قد ذكرنا شرحا شافيا في تفسير قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (البينة ٥) ان الآية و أمثالها في مقام إبطال الأوثان و خلع الأنداد أي و ادعوه موحدين و معترفين بأن الدين لله لا شريك له فلا يصلح لأحد أن يضع دينا لأحد بل يجب على الجميع التدين بالدين الذي قرره سبحانه.
فان قيل فرق بين هذه الآية و الآية في سورة البينة فإن الآية تأمر بتوجيه الموحدين وجوههم نحو القبلة و تأمرهم أن يدعوا ربهم في مساجدهم مخلصين بخلاف الاية في سورة البينة فإنها في مقام توبيخ أهل الكتاب و المشركين بأنهم أمروا أن يعبدوا الله موحدين.
قلت يجب على القائل ان يمعن النظر في ان المتعلق و المفعول بقوله مخلصين هو الدين و يجب الإخلاص في