بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٠٢ - (الآية السادسة) قال تعالى
الروحية و من أعلى مراقي النفس الإنسانية و مرجعه ان يعرف سبحانه نفسه القدوس بكبريائه و جلاله و عدله لعبد من عباده المؤمنين فيعرفه بالكبرياء فيخشى و يدهش في عين كونه مكينا في مقام القرب فيتعرف الله إليه تارة بكرمه فيرجو و يطمئن و يتعرف إليه تارة بأنه محسن متفضل فيسأل و يتملق في عين انه عزيز بعزة ربه و هكذا بالنسبة الى كل واحد من نعوته و أسماءه جل ثناؤه فقلب المؤمن بين إصبعي الرحمن يقلبه كيف يشاء فيستغرق في أنوار معرفته نورا بعد نور و عرفانا بعد عرفان و لا تناهي لها. فتبين ان مرجع الخشية و الخوف استضاءة الروح و استنارة النفس بالمعرفة و نزول السكينة و انشراح الصدر و هذه الخشية التي عين اليقين و العرفان مباين ذاتا و سنخا مع الخوف من الأمور المادية في مرتبة ضعف النفس و عجزها.
قوله تعالى فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
تقدم في الآية السابقة ان الرجاء و التمني منه تعالى إيجاب لمورد الرجاء و تذكر الى حكم العقل الضروري فالاهتداء بهداية الله بعد هدايته واجب ضروري و إنكاره و الاستنكاف عنه إنكار للحق المبين و الحجة الواضحة.
قال في كنز العرفان و هناك آيات أخر يتعلق بالمساجد يحسن ذكرها تابعة لهذه الآيات الى ان قال الاولى وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَ ادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (الأعراف ٢٨).
أقول الظاهر ان اقامة الوجوه عبارة عن توجهها على نحو الاستقامة من دون تمايل إلى شيء من جانبيه فلا بد من تقدير المتعلق اي لإثبات ما يتوجه اليه قال في الكشاف أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ اي اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين الى غيرها و قريب منه عبارة البيضاوي و المولى المحقق الأردبيلي (قده) و في كنز العرفان تكون اقامة الوجه كناية عن الصلاة انتهى.
أقول قد ذكرنا ان اقامة الوجه عبارة عن توجيه الوجه و لا شاهد في الآية بشيء مما ذكروه من التأويل و قوله تعالى عند كل مسجد على ما سيجيء شرحه ظاهر في إثبات مكان التوجه و صريح قوله تعالى و ادعوه في إثبات العبادة التي فيها التوجه فاذن لا مورد لتأويل أقيموا وجوهكم بالعبادة أو بالصلاة فتبين ان يكون المتعلق غير العبادة و الصلاة ففي تفسير القياس عن أبي بصير في قول الله أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ قال هو الى القبلة و في البرهان عن التهذيب بإسناده عن ابن مسكان عن أبي عبد الله (ع) قال سألت عن قوله الله عز و جل وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال هذه القبلة.
و فيه أيضا عنه مسندا عن الحلبي عن أبي عبد الله (ع) في قوله وَ أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال مساجد محدثة فأمروا أن يقيموا وجوههم شطر المسجد