بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٤٥ - الآية الثامنة الاستدلال على حرمة الجماع في الحيض دون سائر الاستمتاعات و بيان معنى الحيض و الأذى و اعتزال النساء حتى يطهرن و بيان بعض الأحكام
الحظر و الإرسال و الإطلاق في إتيانهن مثل قوله تعالى وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا فلسان التحليل و رفع الحظر صريح ان الممنوع في زمن الحيض هو الإتيان فقط لا مطلق الاعتزال.
فتحصل في المقام ان قوله تعالى فِي الْمَحِيضِ اما مصدر بتقدير المطاف أو اسم زمان فالآية الكريمة لا تدل على أزيد من تحريم موضع الدم و اما كراهة سائر الاستمتاعات منهن أو تحريمها فخارج عن مفاد الآية فلا بد ان يطلب من أدلة أخرى.
قوله تعالى وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ عطف تفسير و توضيح لقوله تعالى فَاعْتَزِلُوا و قد عبر تعالى عن ترك الوقاع بالاعتزال و عدم القرب منهن مراعاة للأدب البالغ في القرآن الكريم.
فالصفح عما يستقبح ذكره من سنة الكرام الأبرار المتأدبين بأدب الله سبحانه.
قوله تعالى حَتّٰى يَطْهُرْنَ قيد و غاية لوجوب الاعتزال و حرمة القرب منهن و ظاهره الإطلاق و عدم توقف المسيس منهن بأمر آخر و المراد من الطهارة هو النقاء من الدم و انقطاعه فالطهارة مصدر طهر و ضده القذارة و كلتاهما فعل لازم غير متعد.
قوله تعالى فَإِذٰا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ الآية فلما كان مفاد الجملة الاولى هو الإطلاق و جواز المس بهن من دون توقف بأمر آخر فلا محالة يقع المنافاة بينه و بين الجملة الشرطية التالية و حيث ان الشرط و القيد متصل فلا مانع من تقييد إطلاق مفهوم الغاية بمفهوم الشرط الا ان ذلك متوقف على القول بحجية مفهوم الشرط و متوقف أيضا على أن لا يكون أحد المفهومين أقوى ظهورا من الآخر فمفهوم الغاية كالنص في انتهاء الحكم المعني عند وجود الغاية و مفهوم الشرط مردد بين كون الطهارة قيدا استحبابيا أو قيدا وجوبيا كي يحرم الإتيان بهن قبل هذا الشرط فعليه يكون مفهوم الغاية قرينة و شرحا لمفهوم الشرط فيكون الطهارة في المقام قيدا و شرطا استحبابيا فلا مانع من جواز المسيس قبل الطهارة و توقفه على الطهارة استحبابا فيسقط ما ذكره الفخر الرازي و غيره من توقف الجواز على تحقق كلتا الجملتين من دون تعرض لدفع التنافي بينهما.
ثم ان الطهارة أمر ذو درجات فالتطهير المذكور شامل بإطلاقه جميع مراتبها شمولا بدليا لا شمولا عموميا فيكفي في شمول الطهارة و صدقها غسل الموضع و جواز المسيس بعده و دعوى انصراف الطهارة إلى الطهارة الكاملة و الاغتسال مدفوع بأن هذا الانصراف انصراف بدوي يرتفع بعد التأمل.
هذا كله بناء على قراءة التخفيف و اما بناء على قراءة التقليل فقال الفخر الرازي ان القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان و أمكن الجمع بينهما وجب الجمع بينهما انتهى. يريد الاستدلال عن طرف الشافعي ان قراءة التشديد يوجب الجمع بين النقاء و الاغتسال لتعارضها بقراءة التخفيف فالترجيح لجانب قراءة التشديد.