بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٠٠ - (الآية السادسة) قال تعالى
الإسلام كثير. قال في المنار نقلا عن شيخه و لا ينافي ذلك ما عساه يطرأ على العبادة أو يوجد في المساجد من الأشياء المبتدعة التي لم يأمر بها الكتاب فمن علم الأرض لما في ذلك من الفساد الذي أشرنا اليه. و هذا هو السر في حكم الشريعة بهذه البدع فعليه أن ينكرها و يسعى في إزالتها و لا يجوز له السعي في إزالة المعابد من الإسلامية باحترام كنائس أهل الكتاب و بيعهم و صوامعهم. انتهى محل الحاجة أُولٰئِكَ مٰا كٰانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهٰا إِلّٰا خٰائِفِينَ.
الظاهر ان الآية تهديد لهؤلاء الجبابرة و المفسدين في الأرض لا في مقام المنع التشريعي إياهم و أمرهم بدخول المساجد خاضعين خائفين فالله سبحانه يخوفهم ان يصيبهم مثل ما أصاب الظالمين من قبلهم و تحل بساحتهم ما حل بساحة المتكبرين من أمثالهم لَهُمْ فِي الدُّنْيٰا خِزْيٌ فإن الظلم له تبعات و نكبات وضعية في حياة الناس و عمران الأرض سينتقم الله منهم بسلب مواهبه المعنوية و الروحية كما هو المشاهد المحسوس.
المقام الثالث قد استدلوا بهذه الآية على عدة من الفروع الفقهية:
منها وجوب اتخاذ المساجد و وجوب عمارة ما استهدم منها و وجوب شغلها بالذكر و تحريم تخريبها و استحباب اتخاذها على الأعيان و استحباب دخولها بالخشوع و الخضوع و فيه ان شيئا مما ذكر لا يستفاد من الآية و تحريم التخريب عقلي ليس شرعي و خاصة بالمعنى الذي ذكرناه قال المحقق الأردبيلي (في زبدة البيان ص ٧٨) قبل في الآية أحكام ما عرفناها بل لم يظهر كون بعضها حكما.
(الآية السادسة) قال تعالى إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ لَمْ يَخْشَ إِلَّا اللّٰهَ فَعَسىٰ أُولٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ- التوبة (١٩).
تعريض للمشركين الذين كانوا يفتخرون بسقاية الحاج و عمارة المسجد الحرام مع إقامتهم على كفرهم و شركهم معترفين بالشرك شاهدين على أنفسهم به انه كيف يصح ذلك و كيف يستقيم لهم أن يعمروا مساجد الله و هم لا يقرون بالله الواحد الأحد فأعمالهم من الحسنات الاجتماعي و العبادي كلها حابطة باطلة و انما يتمشى تعمير المساجد و تعظيم المشاعر ممن آمن بالله و اليوم الآخر- الى آخره.
قوله تعالى إِنَّمٰا يَعْمُرُ مَسٰاجِدَ اللّٰهِ. الآية. تعمير المساجد عام شامل و صادق بترميم ما انهدم منها و كنسها و تنظيفها و الإسراج فيها و فرشها و اشغالها بذكر الله و تطيرها من البدغ و الأباطيل و الوفود إليها للعبادة و لا مانع من عمومها لإعادة بنائها أيضا و لم يذكر المفسرون بنائها أو تجديد بنائها كأنهم زعموا ان بناء المساجد غير تعمير المساجد و خارج عن عنوان عمارة المساجد و لا يخفى ضعف هذا التوهم فان العمران صادق