بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٧٧ - (الآية الثانية)
في الوسائل مسندا عن أبي إبراهيم عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال ان الله بعث جبرائيل إلى آدم (ع) فانطلق به الى مكان البيت فانزل الله إليه غمامة ما أظلت مكان البيت فقال يا آدم خط برجلك حيث أظلت هذه الغمامة فإنه يستخرج لك بيت من مهاة يكون قبلتك و قبلة عقبك من بعدك. و رواه عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله (ع) الى ان قال: خط برجلك حيث أظلت هذه الغمامة فإنه قبلة لك و لآخر عقبك من ولدك.
(الآية الثانية)
و من قوله تعالى وَ مٰا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهٰا البقرة- ١٤٤ الآية الكعبة التي هي أقدم بيوت التوحيد هل صلى اليه الرسول ٦ قبل بيت المقدس أم لا؟ لم يتعرض أحد من المفسرين له الا في تفسير هذه الآية فقال بعضهم أن المراد من القبلة المجعولة هي الكعبة التي كانت قبلة له ٦ قبل بيت المقدس و لم يفصلوا أزيد من ذلك. فخلاصة القول في المقام ان أخبار الباب على طوائف.
الاولى: انه صلى الى بيت المقدس من بدو رسالته.
الثانية: انه جعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس و لم يستدبرها و لما هاجر الى المدينة استدبر الكعبة و استقبل بيت المقدس.
الثالثة: انه ما صلى الى بيت المقدس إلا في المدينة تأليفا لليهود.
الرابعة: انه صلى الى بيت المقدس مدة مقامه بمكة أي قبل رسالته أيضا فإنه ٦ كان نبيا و لم يكن رسولا و ذلك بناء على ما هو التحقيق ان الرسول من أرسل إليه ملك الوحي فيكلمه قبلا و مشافهة بما جاء به من عند الله من الشرائع و الأحكام و ما عدا ذلك من أنحاء التكلم- الإلهي في الشريعة و الدين فجمعها من أنحاء النبوة.
و ما قيل من الفرق بين الرسول و النبي ان الأول من أوحى اليه و أمر بالتبليغ و الثاني من أوحى الله و لم يؤمر بالتبليغ فلا محصل له ضرورة أن البلاغ و عدمه أجنبي عن مفهوم الرسول و النبي لغة و أجنبي أيضا عن نفس الحقيقة و العلم المفاض من الله سبحانه على الإنسان الرسول و النبي و قد أوضحنا ذلك في تفسير قوله تعالى إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً البقرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم. ان الظاهر من الآية أن القبلة المجعولة في المقام هي بيت المقدس لا الكعبة كما أصر عليه الرازي و استدل عليه بأن الفتنة و الامتحان و الاعتراضات الشديدة إنما وقعت في المدينة في نسخ بيت المقدس و جعل الكعبة قبلة ثانية حتى ارتد أناس ممن آمن و يشهد على ما ذكرناه أمور.