بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٥٧ - الأمر الأول المستفاد من هذه الآيات عموم الشفاعة و شمولها في جميع الموارد
فان من أنواع العطاء الشفاعة و هي مقيدة بمشيئة الله سبحانه في الشافعين و المشفوعين كما أوردنا الآيات الراجعة الى ذلك و انه لا يقدر أحد ان يشفع لأحد إلا بإذن الله و مشيئته و لا ينتفع أحد من شفاعة أحد الا من ارتضاه و يأذن سبحانه له بخصوصه.
قال تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلّٰا بِإِذْنِهِ (البقرة/ ٢٥٦) قال تعالى قٰالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمٰنُ وَلَداً سُبْحٰانَهُ بَلْ عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ الى قوله وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ (الأنبياء ٢٩).
و غيرها من الآيات فهذه الآيات و نظائرها دالة و شاهدة على أن الشفاعة من المقربين انما هو بعد اذن الله و كذلك انتفاع المشفوعين من الشفاعة متوقف على اذن الله سبحانه و رضاه- قلت ليس في هذه الآيات ما ينافي الآية المبحوثة عنها فان الآيات انما تدل على توقف تأثير الشفاعة على اذن الله و مشيئته سبحانه و كذلك انتفاع المشفوعين تحفظا على التوحيد و انه لا مالك الا هو و التصرف في ما يملكه تعالى ليس الا بيده و لا يعقل إلا باذنه و امره و الآية المبحوثة عنها تدل دلالة واضحة على حصول الاذن و قد شاء الله ذلك و قضى به بحسب وعده الجميل و سينجز ذلك لرسوله فإنه سبحانه صادق الوعد و وافي القول فتحصل في المقام ان الآية و ان لم تكن ناصة بالشفاعة بخصوصها الا انها دالة عليها بحسب إطلاقها و الرواية المنقولة عن الصادق ٧ الظاهر انها لبيان مصداق بارز من العطاء لا انها للتقييد و لبيان تمام المراد من الآية نعم ما ذكرناه عن محمد بن الحنفية نص في التخصيص و التقييد الا انه لا ينبغي تقيد مطلقات القرآن الكريم بها و نظائرها هذا تمام الكلام في تفسير الآيات الدالة على الشفاعة و فيها غنى و كفاية عن استقصاء جميع الآيات الدالة على الشفاعة و تفسيرها و تحليلها فقد ظهر بفضل الله سبحانه و تأييده غاية الظهور انه لا ريب في دلالتها و صراحتها في إفادة معنى الشفاعة و مضيها عند الله سبحانه
و بقي في المقام أمور
لا بد من التذكر بها و الإرشاد إليها.
الأمر الأول: المستفاد من هذه الآيات عموم الشفاعة و شمولها في جميع الموارد
و عدم اختصاصها بموطن دون آخر فمنها ما يدل على وقوع الشفاعة في الدنيا قال تعالى قٰالُوا يٰا أَبٰانَا اسْتَغْفِرْ لَنٰا الى قوله سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (يوسف ٩٨) قال تعالى وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّٰهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً.
و منها ما يدل باختلافها على شمولها لجميع المواقف قال تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ (وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ