بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٧ - تحقيق في معنى الحرج المذكور في الآية و بيان معنى الطهارة و إتمام النعمة
الأحكام على موضوعاتها انما هو على السعة و الإرفاق و هو الحرج المنفي في الدين سواء كان لزوم الحرج في أصل التشريع أو بحسب العناوين الثانوية. و عروض الحرج و الشدة بحسب الأوضاع و الأحوال فيرتفع الحكم الأصلي و يقوم مقامه الحكم الاضطراري كما في الآية المبحوثة عنها و لا يخفى ان نفس الحرج انما هو في إتيان الواجبات و اما في المحرمات فمورد الحرج النفسي في تركها و الاضطرار إليها فعند الاضطرار الى ارتكابها فيرتفع أيضا و لا يخفى أيضا ان الحرج النفسي سواء كان في ارتكاب المحرمات المستقلات أو في إتيان الواجبات انما هو في الواجبات و المحرمات الشرعية التعبدية و اما الأحكام العقلية اي المستقلات العقلية ففيها طور آخر من البحث و لعل الله يوفقنا للبحث عنها في الأبحاث الآتية ان شاء الله.
فتحصل في المقام ان الحرج المنفي هو مطلق الحرج سواء بحسب أصل الشرع أو بحسب الأحوال و الأوضاع الطارئة و ينطبق انطباقا تاما على الآية المبحوثة عنها اي الحرج الطارئ بطرو العناوين الثانوية و يشمل أيضا بإطلاقها جميع أنواع الحرج في الموارد كلها فلا يمكن أن يتوهم ان الحرج المنفي بالأولية و الأولوية ما كان لازما بحسب أصل التشريع كما لا يخفى.
قوله تعالى يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. ففي الكلام إبراز عطف و حنان منه سبحانه على المكلفين و تطييب لقلوبهم فسبحانه من إله ما ابره و ما أوصله فذكرهم انه سبحانه ما يريد في جعل الأحكام الا ما هو الأسهل و الأخف و الأوفق لشأنكم و حالكم لا الضيق و الحرج و قيل ان المراد في الآية انه ليس غرضه تعالى في تشريع الدين إيجادا لحرج و إيجاب الضيق و الظاهر هو الوجه الأول وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ بالطهارات الثلاث بإيجابها و تشريعها عليكم قيل ان المراد التطهير من الذنوب و قيل التطهير من الحدث بالتراب و قيل تنظيف الأبدان بالوضوء و الغسل و عن الحنيفية انها الطهارة عن النجاسة الحكمية و أورد عليه الشافعية بعدم إمكان الالتزام بالنجاسة الحكمية فإن حكم النجاسة وجوب غسل ملاقيها و بطلان صلاة من حملها و أجاب عنه الفاضل المقداد بان الشافعية لم يدركوا معنى النجاسة الحكمية و ما ذكروه من التوالي هي آثار النجاسة العينية الى ان قال فإذا الأولى ما ذكره الحنيفة و يمكن أن يكون الثاني أيضا مرادا انتهى. أقول مراده من الثاني طهارة القلب الذي ذهب إليه الشافعية و الحق في المقام و المناسب للتفسير و اللغة هو النظافة و النزاهة الحاصلة بالطهارات الثلاثة أمر الله تعالى بها و جعلها من شرائط الصلاة.
قوله تعالى- وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ الآية- المراد من النعمة هو الدين تفضل له