بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٦ - هل يتوجه الخطاب إلى الكفار؟ و أنهم مكلفون على الفروع كما هم مكلفون على الأصول كالمؤمنين؟ و بيان الأدلة على ذلك
[كتاب الطهارة]
الآية الاولى في الوضوء و الغسل و التيمم
قال تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضىٰ أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ مٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (مائدة ٦) قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الآية
[الكلام في آية الوضوء]
[هل يتوجه الخطاب إلى الكفار؟ و أنهم مكلفون على الفروع كما هم مكلفون على الأصول كالمؤمنين؟ و بيان الأدلة على ذلك]
استشكل في توجيه الخطاب إلى المؤمنين بأن موضوع الخطاب عندنا أعم من الكفار و المؤمنين و أجاب عنه الفاضل المقداد (قده) و كذا الجزائري (قده) ان توهم الاختصاص بالمؤمنين متوقف على حجية مفهوم الوصف و هو ليس بحجة عندنا و وجه الاختصاص بالمؤمنين انهم المتهيئون للامتثال المنتفعون بالأعمال و قال الجزائري و يمكن أن يكون وجه ذلك كونهم الأشرف و الاجدر بأن يوجه الخطاب إليهم انتهى.
أقول قد نسب إلى الإمامية ان الكفار مكلفون على الفروع كما انهم مكلفون على الأصول خلافا لأبي حنيفة و الظاهر ان مورد البحث هو الأحكام الشرعية التعبدية لا الأصول و لا الأحكام الفرعية العقلية لا مطلقا و في نسبة ذلك الى المشهور نوع خفاء و إبهام فإن الظاهر من كلماتهم كما صرح به الشيخ العلامة الأنصاري في كتاب الطهارة في بحث غسل الجنابة و وجوبه على الكافر بأقسامه ان مرادهم ان الكفار مكلفون بالفروع عقابا لا خطابا توضيحه:
ان استبعاد توجيه الخطاب إليهم مع انهم منكرون للصانع و أصول الآيات و أمهات الشرائع و عدم صحة العبادات منهم مع كفرهم لا ينافي صحة عقابهم و مؤاخذتهم فان الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار و قد بالغ الشيخ (قده) و أصر في إبطال أدلة القائلين بعدم توجه الخطاب الى الكفار منهم المحقق الكاشاني و المحدث البحراني في الحدائق في البحث عن غسل الجنابة.
و قد استدل للمشهور بآيات منها قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (بقرة ٢١) و فيه ان مورد الآية الحكم العقلي و الدعوة الى التوحيد و النهي عن الشرك و التذكر أن يتدبروا في أسرار الخليقة و في آيات التدبير العمدي و الربوبية و منها بقوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آل عمران ٩٧) و فيه ان المستدل قد غفل عن ذيل الآية وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ و المراد من الكفر كفر الطاعة لا الكفر بالربوبية و منها قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ (نساء ١) و فيه ان الاتقاء و المراقبة التامة بجلاله تعالى و كبريائه فريضة عقلية و منها قوله تعالى وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً (فرقان ٦٨) و فيه ان صدر الآية هكذا وَ الَّذِينَ لٰا يَدْعُونَ مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ