بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٥١ - (الآية الخامسة) قال تعالى
بواسطة الجار اي جعلهما خلفة لمن أراد التذكر أو الذكر على ما في بعض القراءات و ذكر في الصافي و قرأ بالتخفيف انتهى. و المراد هو مطلق التذكر بالرب سبحانه الحاصل بالتدبر و التفكر في آيات القدرة و عجائب التدبير و أحكام الصنعة و الحاصل بسبب الأذكار و التسبيح و التمجيد و الركوع و السجود و القراءة أيضا و يتعين هذا المعنى بناء على قراءة التخفيف فمقتضى ظاهر الآية و محصل معناها انه سبحانه جعل الليل خليفة النهار و بالعكس فيما ينبغي من العمل المطلوب في كل واحد منهما و هذا هو معنى الخلافة و البدلية المجعولة في كل واحد منهما من الله سبحانه فيصح أن يأتي بعمل الليل في النهار و بالعكس و التعبير بما ذكرنا من لفظ الخليفة قد وقع في عبارة المولى المحقق الأردبيلي (قده) أيضا و هذا أقوم ما في الباب من البيان و للمفسرين وجوه أخرى أعرضنا عن ذكرها.
و لا يخفى ان مقتضى البدلية و الخلافة المجعولة ان الوقت الخليفة وقت ثان للعمل المطلوب في الوقت الأول و دونه من حيث الفضل و الرجحان و العمل مضروب عليهما على هذا النحو.
و الظاهر من قوله تعالى «لِمَنْ أَرٰادَ» ان المراد من الذكر و التذكر ما كان على نحو التطوع و الندب فإن الفرائض لا تدور مدار مشيئة الأشخاص و إراداتهم بأن هي مكتوبة عليهم على جميع التقادير و عليهم أن يشاؤوا و يريدوا.
و القرينة الأخرى على الاستحباب شمول الآية و إطلاقها على التذكر الحاصل بالتدبر و التفكر في إيقان التدبر و أحكام النظام أيضا لعدم وجوبه على الإطلاق بل هو راجح و حسن عقلا بالضرورة و القرينة الأخرى التصريح بالشكر لمن أراده فان الشكر ليس واجبا على الإطلاق بالوجوب الشرعي التعبدي و ان أبيت عما ذكرنا من البيان فنقول ان شمول الآية لفائتة الفرائض غير ظاهر فان مقتضى الأدلة الواردة في أوقات الفرائض انها مضروبة على تلك الأوقات و لا خليفة مجعولة لها و لا بدلا فلا بد لمن يقول بشمول هذه الآية للفرائض و قضائها التكلم فيها و الجمع بين هذه الآية و الأدلة الدالة على توقيت الفرائض بأوقاتها الخاصة لها و الروايات الواردة على كثرتها بين مصرحة انها في النوافل و بين ما هو شديد الانطباق بمفاد الآية و لا عموم و لا إطلاق في البين كي يؤخذ بهما لدرج الفرائض في مدلول الآية و لو كان هناك توهم إطلاق و إجمال فلحن الآية الكريمة رافع لإطلاقها و إجمالها و من العجيب ان بعضا من المفسرين بعد تفسير الآية بفائتة الليل و النهار اشتغل ببيان عدة من الفروع الراجعة إلى قضاء الفرائض. و أعجب منه ما عن بعض الأعيان قال و استدل بها على مشروعية فعل فائت الليل نهارا و العكس فان معناها الليل خليفة النهار فيما يصح أن يقع فيه و بالعكس و فهمه من مشكل مجردها.