بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ٢٨ - الآية الثانية في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية
سبحانه على عباده و هداهم به الى سعادتهم العاجلة و الآجلة و هو تام كامل بحسب الأصول و الفروع بحسب الأزمان و الأدوار و الظاهر ان المراد من إتمامه تعالى هذا الدين جعله تعالى الأحكام الاضطرارية و تبديل ما يلزم من إتيانه الحرج بالأخف و الأسهل كي لا يقع المكلف في مضيقة الحكم الاولي لو امتثله و لا يقع في مخمصة مخالفته و عصيانه و لا يكون الموارد خاليا عن الحكم كي يحرم المكلف من فضيلة العبودية و نور الطاعة و تمامية الدين و اشتماله على حكم كل واقعة و حادثة في جميع شئون المكلفين من الفارقات بين مذهب الإمامية و غيرهم من الفرق، مبناء على مذهبهم لا يخلو واقعة من الحكم الشرعي لا بد من استنباطه و تفهيمه من الكتاب و السنة.
قوله تعالى- لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ- ذكر بعض المفسرين في تفسيره ما خلاصته ان شكره تعالى ان يطاع و لا يعصى و يذكر فلا ينسى. أقول: هذا أعلى مراتب الشكر و صرف كل نعمة منه تعالى في عبادته و طاعته.
الآية الثانية [في حكم الدخول في الصلاة حالة السكر أو الجنابة؟ و هل يتوجه الخطاب إلى السكران؟ و بيان معنى السكر في الآية]
قال تعالى لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ حَتّٰى تَعْلَمُوا مٰا تَقُولُونَ وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا الآية النساء (٤٣).
قوله تعالى- وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ- حال من فاعل لا تقربوا و هو صريح على إطلاقه في حرمة الدخول في الصلاة و اختلفوا في المراد من السكر في الآية الشريفة فقيل ان المراد من السكر سكر الخمر و ان الآية نزلت في شأن جمع من الصحابة كانوا على مائدة في منزل عبد الرحمن ابن عوف فشربوا و سكروا و قاموا الى الصلاة و تقدم أحد منهم ليصلي بهم فقرأ أعبد ما تعبدون و أنتم عابدون ما أعبد فنزلت و كانوا لا يشربون أوقات الصلاة و إذا صلوا العشاء شربوها فلا يصبحون الا و قد ذهب عنهم السكر و علموا ما يقولون و عن ابن عباس نزلت في جماعة من أكابر الصحابة قبل تحريم الخمر كانوا يشربونها ثم يأتون المسجد للصلاة مع رسول اللّه ٦ فنهاهم الله عنه و عن ربيع الأبرار للزمخشري قال انزل الله في الخمر ثلاث آيات يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ الآية (بقرة ٢١٩) فكان بين شارب و تارك الى ان شربها رجل فدخل في صلاته فهجر فنزل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَقْرَبُوا الصَّلٰاةَ وَ أَنْتُمْ سُكٰارىٰ الآية فشربها من يشربها من المسلمين حتى شربها عمر فأخذ لحى بعير فشج رأس عبد الرحمن بن عوف ثم قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يغفر (الاشعار) مبلغ ذلك رسول اللّه ٦ فخرج مغضبا يجر ردائه فرفع شيئا كان في يده ليضربه فقال أعوذ بالله من غضب الله و غضب رسول اللّه فأنزل سبحانه إِنَّمٰا يُرِيدُ الشَّيْطٰانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةَ وَ الْبَغْضٰاءَ الآية (مائدة ٩٠) أقول و بهذا المعنى روايات عند أهل السنة و كلماتهم و رواياتهم في غاية الاضطراب لا يلائم صريح الآيات و ظواهرها