بدائع الكلام في تفسير آيات الأحكام - الشيخ محمد باقر الملكي الميانجي - الصفحة ١٨٣ - «إيقاظ و إزاحة أوهام»
فاسأل ربك ان يحولك إليها فإنه لا يردك عن طلبتك و لا يخيبك عن بغيتك فلما استتم دعاءه صعد جبرائيل ثم عاد من ساعته فقال أقرأ يا محمد ٦ قَدْ نَرىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمٰاءِ. الآية.
قال تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ. الآية:
بيان: إنجاز لما وعد الله سبحانه حبيبه و صفية ان يعطيه قبلة يرضاها فقد استجاب الله دعوته و أكرمه بإعطائه أمله و سؤله و أمره تعالى ان يصرف وجهه شطر المسجد الحرام و جعلها قبلة له ٦ و لأمته و نسخ بها قبلة بيت المقدس التي كان يصلي إليها و ما جعلها الله تعالى قبلة له ٦ الا تمحيصا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلىٰ عَقِبَيْهِ و قد كان التسليم لهذا الحكم و امتثاله ثقيل على العرب سيما على القريش و الحق انه كما قال تعالى وَ إِنْ كٰانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّٰا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّٰهُ و لذلك كان في تحويلها شأن خاص و انعكاس شديد بين أعداء الإسلام سيما اليهود الذين تركت قبلتهم و نسخت و استقل المسلمون بقبلة مخصوصة و انفردوا بها عنهم و عن غيرهم فما رضي الله سبحانه ان يشترك المسلمون معهم في قبلة واحدة.
«إيقاظ و إزاحة أوهام»
(١) قد عرفت ان الآيات ناصة و ناطقة ان قبلة بيت المقدس فرضت و جعلها الله قبلة لرسوله ٦ و لا يرتاب فقيه في دلالة هذه الآيات على انها فرض من الله سبحانه فما روي عن بعض المفسرين ان بيت المقدس كانت قبلة له ٦ بحسب- السنة لا بحسب الكتاب فقوله تعالى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ نسخ للسنة و ليس هذا النسخ من باب نسخ القرآن بالقرآن، ضعيف، غايته، فهذا اللجاج و الخصام عن اليهود و المنافقين و تعرض الآيات لدفع سنتهم و دحض حججهم تارة و إثبات ان كلتا القبلتين فرض من الله سبحانه دليل واضح على ما ذكره لا يتطرق الشك و الوهم اليه.
(٢) الآيات الكريمة دالة و حاكمة على ان قبلة البيت المقدس كانت فريضة حتمية و واجبة بعينها عن الله سبحانه و انها شرعت لأجل الامتحان و الاختبار فما عن قتادة انه ٦ كان مخيرا بينها و بين الكعبة في غاية السقوط كيف و لو كان واجبا تخييريا لما وقع التمحيص و لما وقع الاعتراض من اليهود فقوله تعالى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضٰاهٰا، شاهدة ان الكعبة لما شرعت بعد و في شرف التشريع و الجعل بحسب هذا الوعد